الغزالي
117
إحياء علوم الدين
نكايتها على البدن . ويدوم ألمها يوما فما دونه . ونكاية الأخلاق الرديئة على صميم القلب ، أخشى أن تدوم بعد الموت أبدا ، أو آلافا من السنين ، ثم أنا لا نفرح بمن ينبهنا عليها ، ولا نشتغل بإزالتها ، بل نشتغل بمقابلة الناصح بمثل مقالته ، فنقول له وأنت أيضا تصنع كيت وكيت وتشغلنا العداوة معه عن الانتفاع بنصحه . ويشبه أن يكون ذلك من قساوة القلب ، التي أثمرتها كثرة الذنوب . وأصل كل ذلك ضعف الإيمان . فنسأل الله عز وجل ، أن يلهمنا رشدنا ، ويبصرنا بعيوبنا ، ويشغلنا بمداواتها ، ويوفقنا للقيام بشكر من يطلعنا على مساوينا بمنه وفضله الطريق الثالث : أن يستفيد معرفة عيوب نفسه من ألسنة أعدائه . فإن عين السخط تبدى المساوي . ولعل انتفاع الإنسان بعدو مشاحن ، يذكره عيوبه . أكثر من انتفاعه بصديق مداهن ، يثنى عليه ويمدحه ، ويخفى عنه عيوبه . إلا أن الطبع مجبول على تكذيب العدو ، وحمل ما يقوله على الحسد . ولكن البصير لا يخلو عن الانتفاع بقول أعدائه ، فإن مساويه لا بد وأن تنتشر على ألسنتهم الطريق الرابع : أن يخالط الناس . فكل ما رآه مذموما فيما بين الخلق ، فليطالب نفسه به ، وينسبها إليه . فإن المؤمن مرآة المؤمن . فيرى من عيوب غيره عيوب نفسه . ويعلم أن الطباع متقاربة في اتباع الهوى . فما يتصف به واحد من الأقران ، لا ينفك القرن الآخر عن أصله ، أو عن أعظم منه ، أو عن شيء منه . فليتفقد نفسه ، ويطهرها من كل ما يذمه من غيره . وناهيك بهذا تأديبا . فلو ترك الناس كلهم ما يكرهونه من غيرهم ، لاستغنوا عن المؤدب . قيل لعيسى عليه السلام ، من أدبك ؟ قال ما أدبنى أحد . رأيت جهل الجاهل شينا فاجتنبته . وهذا كله حيل من فقد شيخا عارفا زكيا ، بصيرا بعيوب النفس ، مشفقا ناصحا في الدين فارغا من تهذيب نفسه ، مشتغلا بتهذيب عباد الله تعالى ، ناصحا لهم . فمن وجد ذلك فقد وجد الطبيب ، فليلازمه فهو الذي يخلصه من مرضه ، وينجيه من الهلاك الذي هو بصدده