الغزالي
111
إحياء علوم الدين
التفت إلى أحوال البدن ، وأحوال الزمان ، وصناعة المريض ، وسنه وسائر أحواله ، ثم يعالج بحسبها ، فكذلك الشيخ المتبوع الذي يطبب نفوس المريدين ، ويعالج قلوب المسترشدين ينبغي أن لا يهجم عليهم بالرياضة والتكاليف في فن مخصوص ، وفي طريق مخصوص ما لم يعرف أخلاقهم وأمراضهم [ التخلي عن الذنوب مقدم على التحلي بالمحاسن ] وكما أن الطبيب لو عالج جميع المرضى بعلاج واحد ، قتل أكثرهم ، فكذلك الشيخ لو أشار على المريدين بنمط واحد من الرياضة أهلكهم ، وأمات قلوبهم . بل ينبغي أن ينظر في مرض المريد ، وفي حاله . وسنه ، ومزاجه ، وما تحتمله بنيته من الرياضة ، ويبنى على ذلك رياضته . فإن كان المريد مبتدئا ، جاهلا بحدود الشرع ، فيعلمه أولا الطهارة ، والصلاة ، وظواهر العبادات . وإن كان مشغولا بمال حرام ، أو مقارفا لمعصية ، فيأمره أولا بتركها فإذا تزين ظاهره بالعبادات ، وطهر عن المعاصي الظاهرة جوارحه ، نظر بقرائن الأحوال إلى باطنه ، ليتفطن لأخلافه ، وأمراض قلبه . فإن رأى معه ما لا فاضلا عن قدر ضرورته أخذه منه ، وصرفه إلى الخيرات وفرغ قلبه منه ، حتى لا يلتفت إليه . وإن رأى الرعونة والكبر وعزة النفس غالبة عليه ، فيأمره أن يخرج إلى الأسواق للكدّية والسؤال ، فإن عزة النفس والرئاسة لا تنكسر إلا بالذل ، ولا ذل أعظم من ذل السؤال . فيكلفه المواظبة على ذلك مدة ، حتى ينكسر كبره وعز نفسه . فإن الكبر من الأمراض المهلكة ، وكذلك الرعونة . وإن رأى الغالب عليه النظافة في البدن والثياب ، ورأى قلبه مائلا إلى ذلك ، فرحا به ، ملتفتا إليه استخدمه في تعهد بيت الماء وتنظيفه ، وكنس المواضع القذرة ، وملازمة المطبخ ومواضع الدخان ، حتى تتشوش عليه رعونته في النظافة . فإن الذين ينظفون ثيابهم ويزينونها ، ويطلبون المرقعات النظيفة ، والسجادات الملونة ، لا فرق بينهم وبين العروس التي تزين نفسها طول النهار . فلا فرق بين أن يعبد الإنسان نفسه ، أو يعبد صنما . فمهما عبد غير الله تعالى . فقد حجب عن الله . ومن راعى في ثوبه شيئا سوى كونه حلالا وطاهرا مراعاة يلتفت إليها قلبه ، فهو مشغول بنفسه [ التدرج في التطهر من الذنوب ] ومن لطائف الرياضة إذا كان المريد لا يسخو بترك الرعونة رأسا ، أو بترك صفة أخرى ولم يسمح بضدها دفعة ، فينبغي أن ينقله من الخلق المذموم إلى خلق مذموم آخر أخف منه ،