السيد محمد حسين فضل الله

74

من وحي القرآن

وربما همّوا بالهروب ، تماما كما هو الإنسان عندما يدهمه الخطر فيحاول الفرار منه ، ولكن إلى أين يهربون فَلا فَوْتَ فإن اللَّه لا يفوته أحد من عباده مهما كان قويا ، إذا أراد أن يأخذه ، وَأُخِذُوا مِنْ مَكانٍ قَرِيبٍ لأن اللَّه أقرب إلى الإنسان من نفسه ، فلا مجال لأيّ فاصل يفصله عنه . . وقد جرى التعبير عنه بلحاظ الأمور المادية ، لأننا لا نستطيع تصوّر الجانب التجريدي من حقائق الغيب التي لا يحيط بها إلا اللَّه . وَقالُوا آمَنَّا بِهِ أي بالقرآن أو بالنبي ، أو بالإسلام عندما واجهوا المصير الذي يكشف لهم حقيقة الآخرة ، وَأَنَّى لَهُمُ التَّناوُشُ أي التناول ، أي الرجوع إلى خط الإيمان مِنْ مَكانٍ بَعِيدٍ وهو عالم الآخرة الذي لا مجال فيه لتغيير المواقف ، لأن الدنيا هي الفرصة الوحيدة لذلك كله ، وهي بعيدة عنهم الآن كل البعد ، لأن الرجوع إليها مستحيل من خلال رفض اللَّه لذلك ، وهو الذي يملك الأمر كله . وَقَدْ كَفَرُوا بِهِ مِنْ قَبْلُ من دون حجّة ولا برهان ، وكانت الحجة على الحق واضحة أمامهم وضوح الشمس وَيَقْذِفُونَ بِالْغَيْبِ مِنْ مَكانٍ بَعِيدٍ فقد كانوا يرمون حقائق الإيمان بأضاليلهم وأوهامهم وينكرون الآخرة من مواقعهم في الدنيا ، البعيدة عنها . وَحِيلَ بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ ما يَشْتَهُونَ من اللذائذ والشهوات المادية التي كانوا يعيشون من أجلها في الدنيا ، وجاءهم الموت لينهي كل شيء من أمورهم الحسية الذاتية كَما فُعِلَ بِأَشْياعِهِمْ مِنْ قَبْلُ من الأمم الماضية التي كفرت كما كفروا ، وتمرّدت كما تمردوا إِنَّهُمْ كانُوا فِي شَكٍّ مُرِيبٍ كما كانت الأنبياء تذكّرهم به من الحق أو من الآخرة ، ولكنه الشك الذي لا يخضع لتحليلات فكرية ، بل يخضع للأوهام الطائرة التي لا ترتكز على أساس الفكر العميق .