السيد محمد حسين فضل الله

50

من وحي القرآن

القاعدة ، في وقفة الذلّ والعار ، أمام ضوضاء الجدال المرير بين المستكبرين الذين نشروا الشرك في حياة الناس المستضعفين ، وبين المستضعفين الذين خضعوا لهم انطلاقا من ظروفهم الصعبة الضاغطة عليهم ، وحاجاتهم الكثيرة الملحّة . وَلَوْ تَرى إِذِ الظَّالِمُونَ مَوْقُوفُونَ عِنْدَ رَبِّهِمْ في وقفة الحساب التي يتقدمون فيها إلى أعمالهم ليواجهوا مصيرهم في الآخرة ، بعد أن عاشوها في الدنيا في طريق اللذة والمنفعة ، وفي هذا الموقف يتكلم الجميع بمرارة ، فالمستضعفون يبحثون عن الجهة التي يحمّلونها مسؤولية أعمالهم ، ليتخفّفوا من النتائج الصعبة التي يواجهونها في قضية مصيرهم المحتوم في النّار ، فلعلهم يستطيعون الهروب منه ، ليتحمّله الآخرون ، أو التخفف منه ليشاركوهم فيه ، ولذا جاء الحديث وفق هذه الطريقة يَرْجِعُ بَعْضُهُمْ إِلى بَعْضٍ الْقَوْلَ فيردّه عليه في عملية جدال متحرّك . حوار المستضعفين والمستكبرين يَقُولُ الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا من هؤلاء الذين عاشوا ضعف الإرادة في مواقعهم الاجتماعية والاقتصادية والسياسية ، وسقطوا تحت تأثيره ، مما جعلهم عاجزين عن أن يقولوا « لا » بقوّة الرفض ، عندما يميل الموقف إلى الرفض ، ولا يملكون أن يقولوا « نعم » ، عندما يميل الموقف إلى القبول ، بل يقبلون ما يراد لهم أن يقبلوه ، ويرفضون ما يراد لهم أن يرفضوه ، وهكذا كانوا يرفضون الإيمان لأن المستكبرين أرادوا لهم أن يرفضوه ، ليلتزموا الكفر من دون أن يدرسوا المسألة بعمق في طبيعتها ونتائجها السلبية أو الإيجابية في الدنيا والآخرة . وها هم يواجهون النار وجها لوجه ، فيحاولون الهروب منها بما يقولونه لِلَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا الذين كانوا يملكون المال والجاه والرجال والقوّة ،