السيد محمد حسين فضل الله

33

من وحي القرآن

فَأَعْرَضُوا وتمرّدوا ، واستعانوا بنعم اللَّه على معصيته ، وابتعدوا عن خطه المستقيم ، وأهملوا حسابات اللَّه في حساباتهم ، وأغلقوا أسماعهم عن سماع مواعظه ، فَأَرْسَلْنا عَلَيْهِمْ سَيْلَ الْعَرِمِ وكان القوم في حالة استرخاء لذيذ غافل عن كل شيء ، مستسلم لكل أحلام اللذّة والشهوة والغيّ والسلطان ، ينتظرون الموسم الجنيّ المثقل بالثمار ، الواعد بكل ربح كبير ومال وفير ، ويستعدون لبداية موسم جديد . وكان الماء يأتي أرض سبأ من أودية اليمن ، وكان هناك جبلان يجتمع ماء المطر والسيول بينهما ، فسدّوا ما بين الجبلين ، فإذا احتاجوا إلى الماء ، نقبوا السدّ بقدر الحاجة ، ليسقوا زروعهم وبساتينهم ، فلمّا كذّبوا رسلهم وتركوا أمر اللَّه بعث اللَّه جرذا نقبت ذلك الردم ، وفاض عليهم الماء سيلا جارفا لكل شيء . وَبَدَّلْناهُمْ بِجَنَّتَيْهِمْ الزاهيتين المثمرتين الرائعتين جَنَّتَيْنِ ذَواتَيْ أُكُلٍ خَمْطٍ وَأَثْلٍ وبذلك تحوّلت الجنائن الغنّاء الخضراء إلى أشجار لا تغني شيئا ، فليس هناك إلا الشوك ، وَشَيْءٍ مِنْ سِدْرٍ قَلِيلٍ وهو النبق الذي لا يأكله إلا حيوان جائع أو إنسان أضناه الفقر والعوز . ذلِكَ جَزَيْناهُمْ بِما كَفَرُوا وَهَلْ نُجازِي إِلَّا الْكَفُورَ لأنهم لم يكفروا من موقع حجّة مضادّة ، بل من موقع تمرّد طاغ وعناد مكابر . وَجَعَلْنا بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ الْقُرَى الَّتِي بارَكْنا فِيها وهي قرى الشام التي أنعم اللَّه عليها بالخصب والرخاء والماء والشجر ، قُرىً ظاهِرَةً أي متواصلة بحيث يظهر بعضها لبعض ، وكان متجرهم - كما يقول صاحب مجمع البيان : « من أرض اليمن إلى الشام » « 1 » ، وكانوا يبيتون بقرية ويقيلون بأخرى ، حتى يرجعوا وكانوا لا يحتاجون إلى زاد من وادي سبأ إلى الشام وَقَدَّرْنا فِيهَا السَّيْرَ أي

--> ( 1 ) الطبرسي ، أبو علي الفضل بن الحسن ، دار المعرفة ، ط : 1 ، 1406 ه - 1986 م ، ج : 4 ، ص : 605 .