السيد محمد حسين فضل الله

13

من وحي القرآن

الذي يطلّ على اللَّه في آفاق الكون الذي كان عدما فوجد بقدرته ، ومن موقع الصدق الذي يتمثل في الوحي الصادق الذي جاء به الصادق الأمين ، مما يجعل للتأكيد الحاسم عمق الصدمة التي تهز المشاعر لتخلق في داخلها الرهبة في ما يشبه المفاجأة التي تخاطب الأعماق . قُلْ بَلى وَرَبِّي لَتَأْتِيَنَّكُمْ إنه القسم العظيم الذي يجعل اللَّه شاهدا على الحقيقة التي تأخذ وضوحها من عظمة قدرته التي لا ينكرها المشركون في كلّيّتها وإن غفلوا عن تفاصيلها . إنه الإيحاء الذي ينفصل فيه النبي عن خصوصيته الذاتية في ما هي القناعة الخاصة ، ليسمو إلى رحاب اللَّه ، ليقول لهم إنه ربي الذي أوحى بذلك وهو الشاهد عليه ، والقادر على إبداع كل شيء ، مهما كان كبيرا أو عظيما في ذاته . عالِمِ الْغَيْبِ الذي يحيط به ، سواء كان غيب الحاضر ، مما خفي عن الناس أمره ، أو غيب المستقبل الذي لا يملكون الطريق إلى معرفته ، فهو الذي يلاحق في علمه ذرّات التراب التي كانت جزءا من إنسان ، ويميز بينها وبين ذرأت إنسان آخر ، فيمنح هذه الحياة التي كانت لها دون أن يشتبه عليه ما يختلط منها بالذرات الأخرى ، و لا يَعْزُبُ عَنْهُ لا يغيب عنه مِثْقالُ ذَرَّةٍ فِي السَّماواتِ وَلا فِي الْأَرْضِ وَلا أَصْغَرُ مِنْ ذلِكَ وَلا أَكْبَرُ لأن مقادير الأشياء سواء كانت صغيرة في منتهى الدقة والخفاء ، أو كانت كبيرة في ضخامة الحجم ، تحضر في علمه الذي ينفذ إلى كل موجود في داخله ، كما تنفذ قدرته إليه في أصل وجوده وتدبيره في حركته في الحياة . إِلَّا فِي كِتابٍ مُبِينٍ في اللوح المحفوظ ، أو في ساحة علمه الممتدة امتداد قدرته في آفاق عظمته . لِيَجْزِيَ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ أُولئِكَ لَهُمْ مَغْفِرَةٌ بما يعفو عنهم من الذنوب التي أسلفوها وتابوا عنها ، أو ما بقي منها من الصغائر في ما غفلوا عنه ولم يتذكروه . وهؤلاء كانت قلوبهم قد انفتحت في حياتهم على اللَّه ، من موقع الإخلاص له . وَرِزْقٌ كَرِيمٌ جزاء لهم على ما عملوه ، حيث يرزقهم من نعيم الجنة ورضوان اللَّه .