السيد محمد حسين فضل الله
20
من وحي القرآن
من حيث انحرفا ، وليكفر من حيث كفرا ، فيتحرّج من ذلك عندما يقف بين عاطفته التي تضغط على قلبه لينفتح على والديه في ما يحبانه منه ، وبين إيمانه الذي يضغط على إرادته لتؤكد الموقف في الانفتاح على اللّه في ما يحبه منه من الثبات على الاستقامة . وقد أراد اللّه أن يبين للإنسان المؤمن أن العاطفة التي تشدّه إلى والديه ، في ما أوصاه اللّه به من ذلك ، وفي ما يتحسسه مما قدّماه إليه من الجميل ، لا تفرض عليه الانشداد إليهما في مقام الطاعة ، بل تفرض عليه التعاطف معهما في مقام الإحسان ، أمّا الطاعة فهي للّه ، فإذا أمراه بما يحبه اللّه ، فعليه أن يطيعهما في مواقع طاعة اللّه ، وإذا أمراه بغير ذلك ، فعليه أن يطيع اللّه ، ويعصيهما في ذلك . * * * الوصية بالإحسان للوالدين وَوَصَّيْنَا الْإِنْسانَ بِوالِدَيْهِ حُسْناً أي توصية حسنة أو ذات حسن ، أي أمرناه أن يحسن إليهما . وقد تحدثنا في هذا التفسير عن الخط القرآني في مسألة الوالدين ، الذي جعل المسألة في دائرة الإحسان في مقابل العقوق ، ولم يجعلها في دائرة الطاعة ، لأن طبيعة العنصر الذي يربط الولد بالوالدين ، لا يمنح الوالدين هذا الحق ، لأنه لا يرتبط بالجانب العاطفي من شخصيته ، بل يرتبط بالجانب الواقعي في إدراك المصلحة والمفسدة في الأشياء ، مما قد لا يدركه الوالدان في أكثر الحالات . . ولهذا فإن الطاعة إذا التقت بالإحسان ، بحيث كان تركها عقوقا من دون أن يسيء ذلك إلى مبادئ الود ومصالحه الحقيقية ، فلا بد للإنسان من العمل على أساسها وإلا فلا . * * *