السيد محمد حسين فضل الله

100

من وحي القرآن

يتحركون في ذلك بإرادتهم الذاتية ، في ما يأخذون به أو يتركونه من الوسائل الواقعية ، ولكن العمق الأساس للإرادة الإلهية التي تخطط للحياة قوانينها وسننها الطبيعية ، هو أن اللّه من وراء كل شيء ، فهو يملك كل الأمر في حركة الواقع ، لأنه هو السبب الأعمق في كل مواقع الأسباب في قانون السببية للأشياء ، مما يجعل الإنسان المؤمن واثقا باللّه في كل الأمور التي يتحرك بها الحاضر ، أو يختزنها المستقبل ، فلا يعيش الإنسان القلق الذي يثير الاهتزاز في داخله أمام أيّ حدث طارئ ، بل يترك الأمر للّه من خلال هذه الحقيقة التي تؤكد للناس كلهم بأن الأمر للّه من قبل ومن بعد ، وإذا كان الأمر كذلك ، وكانت الحكمة هي الأساس في تدبير اللّه للكون ، وكانت الرحمة هي الصفة الإلهية التي ترعى للإنسان حياته ، فلا مشكلة هناك ، فيسلّم الأمر له ، وينطلق إلى الأهداف الكبرى بخطوات ثابتة . وهكذا ينبغي للمؤمنين أن يواجهوا الموقف المعقّد الذي حاول المشركون أن يسقطوا به روحهم المعنوية ، للإيحاء لهم بالهزيمة المرتقبة لهم ، من خلال هزيمة المؤمنين الآخرين من أهل الكتاب ، على أساس أن انتصار الكفر في موقع يعني انتصار كل الكافرين ، وأن ضعف الإيمان في موقع يعني ضعف كل المؤمنين . إن عليهم أن يواجهوا المسألة من خلال الحقيقة الإيمانية لا من خلال بعض الأحداث القلقة التي لا تمثل قاعدة ثابتة للحياة كلها ، بل هي من بعض أوضاع الحياة العامة التي تنتقل بين انتصار فريق هنا وهزيمة فريق هناك ، وذلك في ما توحي به الآية الكريمة : وَتِلْكَ الْأَيَّامُ نُداوِلُها بَيْنَ النَّاسِ [ آل عمران : 140 ] . فإذا كان اللّه قد تكفل بنصر دينه ، فعليهم أن يثقوا بذلك وينتظروا النصر المؤكد منه . * * *