السيد محمد حسين فضل الله
23
من وحي القرآن
عدم مصداقية الكفار في اتهام الرسول صلى اللّه عليه وآله وسلّم كيف يثير هؤلاء اقتراحاتهم أمام دعوة النبي ، وكيف يطلقون التحديات في مواجهتها ، فهل هم جادّون في ذلك ، أو أنهم يتحدثون بطريقة غير مسؤولة من أجل إثارة الأجواء التي تبعد الساحة عن التفكير في القضايا الفكرية العقيدية التي دعا إليها النبيّ ، كما يفعل الكثيرون الذين لا يريدون للناس أن يستغرقوا في الدعوة التي يقدّمها المفكرون والمصلحون إليهم ليفكروا فيها وفي مضمونها ليقتنعوا بها ، أو ليدخلوا معهم في حوار حولها ليكون ذلك سبيلا لإدخالها إلى مناطق التفكير الجادّ لديهم ، فيبادر أولئك المعارضون لطرح أمور هامشية بعيدة عن المواقع الحقيقة للدعوة ، بالتأكيد على شخصية الداعية ، أو بإثارة الشكوك حوله أو حول الدعوة ، ليثور الجدل في ذلك بدلا من أن يتحرك في القضايا الأصليّة ؟ ! كيف يطلب هؤلاء منه أن يقوم بتلك الأعمال الخارقة التي لا يستطيع أيّ بشر بقدرته العادية أن يحققها ، وهل كانت دعوى النبوّة تعني القيام بمثل ذلك أو تختزن في مضمونها ادّعاء القدرات الغيبيّة أو العمق الإلهيّ الذي يمكنه من تحقيق ذلك ؟ لقد كان النبيّ يعلن دائما أنه بشر يحمل الرسالة ، مما يعني اقتصار العلاقة الإلهية المميزة بشخصيته ، التي يختلف بها عن بقية الناس ، على الوحي الذي ينزله اللّه عليه ليبلغه للناس كرسالة إلهية ، بعيدا عن كل شيء آخر ، لأن ذلك هو دور النبي في الحياة ، فليس دوره أن يغيّر صورة العالم في صفته التكوينية ، بل كل دوره أن يغيّره في صفته الفكرية والعملية في حركة الحياة والإنسان . حتى المعجزة ، ليست غاية في الرسالة ، بل هي وسيلة لمواجهة التحدي الكبير حولها ، ولم تكن بقدرة النبيّ بل كانت بقدرة اللّه .