السيد محمد حسين فضل الله
18
من وحي القرآن
مظاهر ذلك شيئا ؟ كيف يمكن للرسول أن يكون بشرا في ممارساته الغذائية التي تتمثل في أكله للطعام ليسد جوعه كما نأكل ، وفي حركته الجسدية ، التي تتمثل في مشيه في الأسواق ليكتسب عيشه ، كما نفعل ، في الوقت الذي نرى فيه الرسالة تتصل بالغيب الإلهي في ما يفرضه ذلك من ضرورة اتصاف الرسول بالمعنى الغيبي في شخصيته ، وبالكيان التجريدي في ذاته ، فلا يكون له حاجات المادّة ، ولا ضغط الحاجة ، لأن الذي يتلقى وحي الإله لا بد من أن يكون فيه شيء من سرّه ، تبعا للانسجام بين الغيب في المعنى والغيب في الذات ؟ ! إننا نجد من خلال تفكيرهم هذا ، أن المضمون الفكري لهؤلاء في شخصية الرسول يحمل الاحتقار للإنسان في بلوغ هذه الدرجة من السموّ ، والإيمان بعجزه عن التلقي للوحي الإلهي من موقع القصور الذاتي لديه ، لأن ذلك هو موقع الملائكة المقربين القريبين إلى أجواء الإله ، البعيدين عن قذارات الجسد الإنساني وعن حدوده المادية . لَوْ لا أُنْزِلَ إِلَيْهِ مَلَكٌ فَيَكُونَ مَعَهُ نَذِيراً ليكون ذلك سبيلا من سبل التصديق برسالته ، وليكون الملك هو الذي يحمل الرسالة من اللّه من خلال قابليته لذلك ، وهو الذي يعلّم هذا الشخص قواعدها ومفاهيمها ، ويتدخل في تعميق شخصيته بالإيحاء الروحي الغيبي الذي يثير في ذاته المعنى الغيبي والعمق الروحي ، ثم يتحرك معه في الساحة لينذر الناس معه فيصدقوه بذلك عندما يرون الملك الرسول يتحرك في الإنذار مع الإنسان الرسول . أَوْ يُلْقى إِلَيْهِ كَنْزٌ أَوْ تَكُونُ لَهُ جَنَّةٌ يَأْكُلُ مِنْها ثم تصغر الصورة عندهم ، وتنكمش المطالب ، فلا بد من وضع غير عادي يتميز به هذا الرسول ليقنع الناس برسالته ، وليفهموا بأن هناك شيئا غيبيّا في ذاته ، فلو ألقي عليه من السماء كنز يجعله غنيّا عن الآخرين أو كانت له جنة منتجة مثقلة بالفواكه