السيد محمد حسين فضل الله

63

من وحي القرآن

إلى موقف شهادة زور ، ويبدل صورة الحقيقة في حركة الواقع إذا تمثل في كلمة كذب في حياة الناس ، ويثير المشاعر القلقة الهائجة في مواقع الغريزة إذا انطلق في أجواء الفحش والانحلال . . إنها الدعوة إلى الابتعاد عن كلمة الباطل باعتبار أنها ضد كلمة الحق التي جاءت الرسالات من أجل تأكيد الدعوة للاقتراب منها ، أو الالتزام بها ، والالتصاق بمعانيها والانفعال بإيحاءاتها ومشاعرها ، في الجوّ والحركة والموقف . لتكونوا حُنَفاءَ لِلَّهِ غَيْرَ مُشْرِكِينَ بِهِ مستقيمين في الحق ومائلين عن الباطل ، وذلك بالالتزام بالتوحيد الخالص الذي يرفض الشرك من موقع صفاء التصور والفكر والشعور ، وحركة الحق في داخل الذات . . فقد اتّخذ الإسلام موقف التوحيد في مواجهة الشرك ، وموقف حق في مواجهة الباطل ، وكان هدف كل عباداته ومعاملاته ، ومفاهيمه وقوام طريقته في إدارة العلاقات وأسلوبه في الحركة ومنهجه في الحياة ، الوصول إلى هذين الأمرين ، باعتبار أنهما يمثلان الخط العريض لحركة الإسلام في الفكر والتصور والعمل ، وهذا ما جعل الآية تؤكد على اجتناب الرجس من الأوثان وقول الزور ، في سياق الحديث عن العبادة في الحج ، لأن الحج موقف لتأكيد التوحيد في العقيدة والعبادة وكلمة لترسيخ الحق في أعماق الذات . وقد وردت عدة أحاديث تؤكد على تفسير الزور بالغناء ، ورأى فيها الفقهاء دليلا على حرمة الغناء ، وربما جاء ذلك نتيجة المضمون الداخلي لكلمات الغناء التي كان الباطل يغلب عليها ، مما يجعل تحريم الغناء مختصّا بالمضمون الكاذب ، أو الباطل فيه . . وربما كان ذلك نتيجة طبيعة اللحن الذي ينأى بالمشاعر عن الحق أو يثير الأحاسيس الغريزية والشهوات الجامحة التي تبتعد به عن طريق الهدى والحق . .