السيد محمد حسين فضل الله
80
من وحي القرآن
وتتفتت ، وَتَخِرُّ الْجِبالُ هَدًّا فتسقط وتنهدم ، أَنْ دَعَوْا لِلرَّحْمنِ وَلَداً لأن هذه المخلوقات الكونية لا تتحمل الإساءة إلى اللّه في أيّ شيء يبتعد عن مستوى عظمته . وَما يَنْبَغِي لِلرَّحْمنِ أَنْ يَتَّخِذَ وَلَداً لأن ذلك يتنافى مع ربوبيته ، واللّه هو الغني عن كل شيء . . . إِنْ كُلُّ مَنْ فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ إِلَّا آتِي الرَّحْمنِ عَبْداً لأنهم يعرفون بعمق وجودهم أنهم مخلوقون له ، ومحتاجون إليه من دون فرق بين مخلوق ومخلوق ، فمهما ارتفعت درجات بعضهم عن بعض ، فإنها لا ترتفع عن درجة العبودية للّه ، لأن امتيازاتهم الذاتية تتحرك في دائرة العبودية والحاجة إليه في طبيعة الوجود والاستمرار . ولعل المراد بإتيان كل هؤلاء للرحمن ، في مواقع العبودية ، هو انقيادهم في وجودهم وفي إطاعتهم للّه على أساس الإحساس بالعبودية والاعتراف بها بين يديه . لَقَدْ أَحْصاهُمْ وَعَدَّهُمْ عَدًّا فهو الذي خلقهم ، وهو الذي يرزقهم ، وهو المحيط بهم ، ولذلك فقد أحصى عددهم ووظائفهم وأمكنتهم ، في مظهر من مظاهر قوته أمام مظهر خضوعهم وضعفهم . وَكُلُّهُمْ آتِيهِ يَوْمَ الْقِيامَةِ فَرْداً مجردا من كل مظاهر القوة وعناصر السلطة ومواقع الأمن ، حيث يقف وحده أمام اللّه ، لا يملك لنفسه ضرا ولا نفعا ، ولا يجد له ناصرا من دون اللّه ، فيواجه نتائج المسؤولية في ما أطاع وعصى . إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ سَيَجْعَلُ لَهُمُ الرَّحْمنُ وُدًّا من المودة وهي المحبة ، بحيث تفيض عليهم المحبة من بين أيديهم ومن خلفهم ، وتعيش في داخلهم ، وتنزل عليهم من ربهم ، وذلك هو غاية ما يتمناه الإنسان في إيمانه وفي عمله .