السيد محمد حسين فضل الله
7
من وحي القرآن
الجزء الخامس عشر سورة مريم مكية وآياتها ثمان وتسعون سبب التسمية لقد أريد لاسم مريم بنت عمران أن يكون عنوانا لهذه السورة ، لأن اللّه تحدث فيها عن قصة ولادتها لعيسى عليه السّلام بما يتمثل فيها من أجواء روحية ، وما يحيط بها من أوضاع غيبيّة ، وما يهيمن عليها من إعجاز ، مما يجعل قصته تتصل بأكثر من بعد من أبعاد العقيدة ، في عالم الغيب والشهود . وربما كانت هناك غاية أخرى من تسمية السورة باسمها ، وهي التذكير بهذه المرأة الطاهرة التي عاشت الإيمان في طفولتها وشبابها ، في ابتهال خاشع مع اللّه ، في محرابها الذي كان موقعا من مواقع الفيض الإلهي بالرحمة ، واللطف ، والعطاء الروحي الذي كان ينهمر عليها من كل جانب . ولهذا فإنها كانت تعيش هذا اللطف الإلهي بعمق في الروح ، وامتداد في الفكر ، فلا نستغرب حصول أي شيء معجز في حياتها ، خلافا للّاتي يعشن الإيمان بطريقة تقليدية محدودة ، ونظرة ذاتية مغلقة . هذا بالإضافة إلى أن ذلك كله يجعلها الإنسانة الوحيدة في عصرها التي يمكن أن تكون موضعا لكرامة اللّه ، وإظهار قدرته ، في خلق هذه الظاهرة الإنسانية الجديدة وهي ولادة عيسى ( ع ) من دون أب . فإن تاريخ مريم الناصع الذي يتفايض بالطهر والعفاف يجعل إمكانية اتهامها بالزنى أمرا بعيدا جدا ويقرب فكرة الإعجاز الغيبي بطريقة لا تقبل تأكيد الشك بها ، وإن كانت لا تمنع من إثارته ، واللّه العالم .