السيد محمد حسين فضل الله
26
من وحي القرآن
فيتعهدهم إلى مواقع الهدى والرشاد ، وبذلك لم يكن خلقه قاسيا عصيّا ، بل كان رؤوفا رحيما لينافي ما يصادفه من قضايا الناس وآلامهم ، وتلك هي روحية السلام الذي يمثل الأمن الروحي في حياته الفردية وفي حياته الاجتماعية ، في الدنيا والآخرة . وَسَلامٌ عَلَيْهِ يَوْمَ وُلِدَ فأراده اللّه أن يكون محلا لكرامته ، وموضعا لرحمته ، وَيَوْمَ يَمُوتُ حيث ينتقل إلى رحاب اللّه وفي روحه كل مشاعر السلام للناس وللحياة ، وَيَوْمَ يُبْعَثُ حَيًّا حيث يعيش هناك السلام المنفتح على اللّه ، فيقوده ذلك إلى رحاب الجنة التي هي دار السلام . ماذا نستوحي من القصة ؟ وقد نستوحي من قصة زكريا ويحيى أن الإنسان المؤمن لا يسقط في مشاعر اليأس الخانقة عندما تحاصره الموانع الطبيعية التي قد توحي إليه باستحالة ما يطلبه واقعيا ، بل يبقى في أجواء الأمل الروحية التي تنفتح على قدرة اللّه ورحمته ، وذلك من خلال عالم الغيب الذي يطل على الآفاق غير العادية من حياة الناس في ألطاف اللّه الواسعة ، عندما يرزقه من حيث لا يحتسب ، ويحرسه من حيث لا يحترس ، ويحقق له الكثير من أحلامه من حيث لا ينتظر . . . وهكذا انطلق زكريا بالدعاء في الدائرة المستحيلة من ناحية واقعية على أساس الإيمان باللّه الرحيم بعباده القادر على كل شيء ، بكل عفوية وبساطة وانفتاح ، حتى إذا استجاب اللّه له ما أراد ، استيقظ فيه حسه المادي الذي يربط الأمور بأسبابها المعتادة ، فيستغرب خروجها عن المألوف . ولكن اللّه يرجعه إلى وجدانه الروحي ، ويؤكد له ذلك بآيته المعجزة ، فيلتقي الانفتاح الروحي والإيمان بكل قوة .