السيد محمد حسين فضل الله

12

من وحي القرآن

رحمتك وقدرتك ، وتلك هي سعادة الروح المتصلة باللّه ، في ما تحبه ، وفي ما تريده ، فلا مجال للإحساس بالشقاء الداخلي ، مهما كانت الأوضاع والظروف . من هم مواليه وما ذا كان يخاف منهم وَإِنِّي خِفْتُ الْمَوالِيَ مِنْ وَرائِي من هم هؤلاء الموالي ؟ قيل إنهم عمومته أو بنو عمّه ، وقيل الورثة . ولكن ما الذي كان يخافه منهم ؟ ذكر البعض أن زكريا كان يخاف أن يرثوه ، كناية عن خوفه من أن يموت بلا عقب ، ولكن التعبير لا يسمح باستيحاء ذلك لأن الكلمة توحي بأنه يخاف منهم أمرا من الأمور التي تتعلق به وتتصل بساحته . وقد لا يكون من الطبيعي أن يكون مصدر خوفه التركة التي سيخلفها من بعده ، لتكون المسألة أنه يخافهم ويخاف أن يرثوها عنه ، لأن ذلك لا يتناسب مع ما يعلّقه زكريا على مسألة الاستجابة لطلبه من أهمية ، بالمستوى الذي يستعجل فيه تحقيق طلبه ذاك ، وهو الولد من صلبه في تلك السن المتقدمة من العمر ، التي تجعل من تحقق ذلك الطلب عبر الوسائل العادية أمرا مستحيلا ، ولا سيما إذا عرفنا أن مسألة الرغبة في الولد بوصفه امتدادا في الوجود عبر الولد ، هي حاجة غريزيّة لم تسبّب عدم إمكانية إشباعها أيّة عقدة في حياة زكريا الأولى عندما كان في فترة الشباب ، بعد اكتشاف عقم امرأته . فلما ذا لم يقدم ذلك الطلب بوقت مبكر ، ولما ذا لم يحاول الزواج بغيرها إذا كان المانع منها لا منه ، وقد كان تعدد الزوجات أمرا مشروعا لديهم كما نلاحظه في قصة إبراهيم عليه السّلام . ربما يذكر البعض أن صلاح مريم ( ع ) وكرامة اللّه عليها في ما شاهده من أمرها جعله يحب الأولاد ليكون له منهم ما يماثل مريم ، في قربه من اللّه وكرامته عليه ، الأمر الذي أثار شعوره بالحرمان ، وأدى إلى الإلحاح بالدعاء للاستجابة إليه في طلبه .