السيد محمد حسين فضل الله

78

من وحي القرآن

كيف نفهم تفضيل اللَّه للناس ، بعضهم على بعض ؟ انْظُرْ كَيْفَ فَضَّلْنا بَعْضَهُمْ عَلى بَعْضٍ في الرزق من خلال الخصائص التي أودعها اللَّه فيهم ، وميّزهم بها من قدرة في الفكر والقوّة والحركة والظروف المحيطة بهم ، فإن الحياة لا يمكن أن تنمو وتتنوّع وتتطوّر إلا باختلاف مواقع الإنسان وتنوّع درجاته ، لتتكامل في خصائص القوة التي تتوزّع على الأشياء والأشخاص ، فيعطي هذا من قوّته للآخر ، وتتفاعل خصائص هذا بخصائص ذاك . ومن هنا نستطيع أن نقرر الفكرة التي تقول : إن التفضيل في الدرجات في الحياة لا ينطلق من تفضيل في القيمة ، ليعيش الإنسان الذي يملك الدرجة العليا الإحساس بأن ذلك تكريم من اللَّه له ، ويعيش الإنسان الذي يقف في الدرجة السفلى الإحساس بأن ذلك تحقير من اللَّه له ، فإن هذا الشعور لدى هذا أو ذاك ليس دقيقا ، فقد يكون صاحب الدرجة السفلى في الرزق أقرب إلى اللّه من صاحب الدرجة العليا ، بل ينطلق التفضيل من الحكمة الإلهية في توزيع حاجات الحياة على الناس والمواقع والأشياء وفق الخصائص الذاتية التي تتميز بها الموجودات . وبذلك يكون حال الإنسان المتميز في النعم التي يغدقها اللّه عليه ، كحال الأرض المتميّزة بالخصب ، والشجرة الحافلة بالشهيّ من الثمر . ولو أنّ اللَّه أعطى الناس ما يستحقونه ، لاختل نظام الحياة التي لا يمكن أن تجتمع حاجاتها وخصوصياتها في موقع واحد أو في مواقع محدودة ، لأن المطلق لا يمكن أن يتحقق في المحدود . وخلاصة الفكرة ، أن التفاضل في درجات الحياة لا يعني إعطاء الامتيازات لأفراد معينين أو جماعات معينة ، بل يعني توزيع الخصائص تبعا لحاجات الحياة ، فهي تابعة لحاجة الواقع ، لا لقيمة الذات . وهذا ما نستوحيه من الآية الكريمة التي تعلل التفاضل في الدرجات في بعض مواقعه بقوله