السيد محمد حسين فضل الله

76

من وحي القرآن

الطبيعية الكامنة في حركة الأشياء ، فكيف نفهم نسبة اللَّه التعجيل إلى فعله لبعض الناس دون البعض الآخر ؟ ونجيب على ذلك بما أجبنا عنه في أمثاله ، بأن إرادة اللَّه للأشياء ، لا تعني - دائما - مباشرته لها ، بل يتحقق ذلك من خلال سننه . ثم لماذا نفكر دائما باستبعاد علاقته - تعالى - بالسنن الكونية التي يتحرك - من خلالها - كل شيء في الكون ما دام اللّه قد أقام الحياة كلها عليها ؟ ثُمَّ جَعَلْنا لَهُ جَهَنَّمَ يَصْلاها مَذْمُوماً مَدْحُوراً . . . وهذا هو جزاء الذي ينكر اللّه ورسالاته ورسله واليوم الآخر ، أو لا يعمل في هذا الخط ، بل ينحرف عنه إلى أجواء التمرّد والعصيان ، فقد أقام اللَّه عليه الحجة في ذلك كله ، فلا عذر له في ما عمله من شرّ أو انتسب إليه من باطل ، لهذا سيحترق في نار جهنم وهو مذموم لسوء فعله ، ومطرود لانحراف إيمانه . وَمَنْ أَرادَ الْآخِرَةَ وَسَعى لَها سَعْيَها وَهُوَ مُؤْمِنٌ وهو الذي فهم الحياة الدنيا فهما عميقا خاصا ، ينطلق من فهمه لمسألة الإيمان الذي يرى في الدنيا مزرعة الآخرة ، فليس المطلوب منه أن يترك طيباتها وشهواتها ولذائذها أو يبتعد عن قضاياها ، بل المطلوب منه أن لا يستغرق فيها من خلال هواه ، ولكن ينطلق فيها من خلال خوفه مقام ربّه ، وملاحظته العلاقة بين الممارسة العملية في الدنيا وبين النتائج السلبية والإيجابية في الآخرة ، ليظل في عملية اتصال دائم وثيق بالخط المتوازن من خلال ما يوحي به العقل ويتحرك به المنطق ، مما يجعل من الآخرة ، التي يتمثل فيها رضوان اللَّه ونعيم الجنة ، هدفا لكل أعمال الدنيا ، لتكون دنيا الإنسان الحسية ، آخرة بمعنى انطلاقها من رضوان اللَّه . ولكن المسألة ليست إرادة تعيش في الأعماق ، بل هي الإرادة التي تدفع نحو العمل ، وتقود إلى الهدف ، لتعيش الحركة الفاعلة المتصلة بالخط الذي يربط الدنيا بالآخرة ، حيث يتركز الإيمان في عمق الشخصية ، لأن السعي إلى الآخرة من خلال طبيعة العمل الصالح الذي ينسجم مع الخط الإيماني ، هو الذي يحقق الغاية التي حددها اللَّه ، إذ لا بد من أن يكون الساعي إلى الآخرة مؤمنا ،