السيد محمد حسين فضل الله

35

من وحي القرآن

ثُمَّ رَدَدْنا لَكُمُ الْكَرَّةَ عَلَيْهِمْ فهزمتموهم كما هزموكم ، ودمرتموهم واستبحتم ديارهم ونهبتم أموالهم ، كما فعلوا معكم في ما رزقكم اللَّه من نعمه العظيمة ، وأغدق عليكم رحمته من جديد . وَأَمْدَدْناكُمْ بِأَمْوالٍ وَبَنِينَ وَجَعَلْناكُمْ أَكْثَرَ نَفِيراً لأنكم رجعتم إلى اللَّه ، وأحسنتم سياسة الناس ، وحملتم مسؤولية الحياة كما يريدها اللَّه من عباده ، وذلك هو خط الحياة في سنة اللَّه للناس في ما يحسنون أو يسيئون . إِنْ أَحْسَنْتُمْ أَحْسَنْتُمْ لِأَنْفُسِكُمْ وَإِنْ أَسَأْتُمْ فَلَها لأن نتائج أفعال الخير أو الشر تعود للإنسان الفاعل . فَإِذا جاءَ وَعْدُ الْآخِرَةِ وأفسدتم الحياة من جديد ، واستكبرتم على العباد ، واستعليتم على الناس بغير حق ، فستقعون مجددا في التجربة المرّة ، ويهاجمكم الأقوياء الآخرون الذين يملكون البأس الشديد ، لِيَسُوؤُا وُجُوهَكُمْ ليطبعوها بطابع الحزن والمرارة ، ويسموها بسمة الذل والمهانة من خلال سيطرتهم عليكم ، وَلِيَدْخُلُوا الْمَسْجِدَ كَما دَخَلُوهُ أَوَّلَ مَرَّةٍ ، والمراد به - في ما يظهر - المسجد الأقصى ، الذي هاجمه أعداؤهم مرتين واستباحوا حرمته ، وأخرجوهم منه ، ودمّروا كل أوضاعهم ، وقد نستوحي من هذا التعبير أن المهاجمين أولا ، هم المهاجمون ثانيا ، وَلِيُتَبِّرُوا ما عَلَوْا تَتْبِيراً وهو ما يوحي بالدمار الشامل الذي لا يبقى معه شيء . أبواب الرحمة الإلهية عَسى رَبُّكُمْ أَنْ يَرْحَمَكُمْ بعد ذلك التشريد والتنكيل والهلاك ، إذا رجعتم إليه ، وعملتم بكتابه ، وسرتم على الصراط المستقيم ، مما يعيد إليكم عزكم ومجدكم وامتدادكم في الأرض ، لأن اللَّه لن يسلب من أمّة رحمته إذا أخذت بأسبابها بعد أن كانت قد ابتعدت عنها ، فهو جعل أبواب رحمته لمن أراد أن