السيد محمد حسين فضل الله
23
من وحي القرآن
حركيّة روحيّة تندفع بالكلمة الطيبة التي تملكها ، وبالطاقة الحيّة التي تحركها ، وبالأفق الرحب الذي تفتحه ، وبالشعور الحميم الذي تثيره ، وبالخطوات الثابتة التي تقودها ، لتكون - في جميع ذلك - مشروع حياة تثيره ، وبالخطوات الثابتة التي تقودها ، لتكون في جميع ذلك مشروع حياة نافعة مليئة بكل ما يحقق للإنسان سعادته ، وللكون نظامه . ومن خلال ذلك ، نفهم معنى الشخص المبارك ، فهو ليس الإنسان الحامل للأسرار الخفية التي تدفع الناس إلى لمس ثيابه وجسده أو الطلب إليه أن يضع يده على رؤوسهم ليأخذوا منه البركة ، بل هو الإنسان الذي يعيش الطاقة الروحية التي تحرّك فيه كل إمكاناته لينشرها على الناس والحياة من حوله ، لتنطلق خيرا ورحمة ومحبّة وسلاما ، في نفع شامل غير محدود ، كما ورد في تفسير قوله تعالى : - في حديث عيسى عليه السّلام عن نفسه - وَجَعَلَنِي مُبارَكاً [ مريم : 31 ] فقد جاء في التفسير أن معناه : وجعلني نفاعا للناس من خلال ما توحي به البركة من امتداد للطاقة في حياة الناس . وهكذا نفهم معنى الأرض المباركة ، في ما تعطيه من خيرات على مستوى الثمرات المادية التي تنتجها أو على مستوى الثمرات الروحية التي توحي بها على خط الرسالات والرسل الذين تحتويهم في كل زمان . . . وبذلك نفهم سرّ التعبير في قوله تعالى : بارَكْنا حَوْلَهُ بدلا من « باركناه » ، فقد يكون السرّ في ذلك هو الإيحاء بأن البركة لا تتجمّد في المسجد وتبقى فيه ، ليأتي الناس إليه للحصول على البركة من أرضه وجدرانه ، بل تنطلق منه من خلال ما تمثله رسالته من المسؤولية النابضة بالروح ، والمتحركة مع الواقع ، لتمتد إلى كل مكان ، فتتحول البركة من نبع يتحرك داخل الأرض إلى نهر جار ينساب في كل عقل وفي كل روح ، ويصل إلى كل أرض فيها للإنسان وجود ، ليملأها بالخير والمحبة والحياة . ومن الطبيعي لهذه البركة المحيطة بالمسجد أن تكون منطلقة منه ، مما يعني ذلك أن التعبير يختزن في داخله معنى البركة في المسجد لما يوحيه من معنى البركة في ما حوله ، واللَّه العالم .