السيد محمد حسين فضل الله

19

من وحي القرآن

ماذا نستوحي من صفة العبودية لله ؟ سُبْحانَ الَّذِي أَسْرى بِعَبْدِهِ ربما كان وصف النبي صلى اللّه عليه وآله وسلّم بالعبودية للّه تعالى ، للإيحاء بالعمق الروحي الذي يعيشه في خضوعه للّه ، وإحساسه بعبوديته له في وعيه المنفتح على سرّ الألوهية في رحاب العظمة ، وإخلاصه لدوره الرسالي في خدمة الرسالة ، واستغراقه في الامتثال لإرادة اللّه في ما يأمر به وما ينهى عنه ، على مستوى التبليغ والدعوة والحركة والحياة ، حتى كأنّ رسالته جزء من حركة العبودية في ذاته ، ولون من لطف اللّه به وتقديره لروحيته ، لأن ذلك هو الذي يعمّق في الإنسان الإسلام للّه في كل أموره ، فيحمله على الذوبان في خدمته ، ويندفع إلى المسؤولية الملقاة على عاتقه بكل إخلاص واستسلام ، ويلتقي من خلال ذلك بالناس في أجواء الدعوة على خط العبودية التي تتجسّد في كيانه ، ليجسدها في كيان الآخرين فكرا ومنهجا وحركة حياة . وهكذا تلتقي الرسالة بالنبي - القدوة في إخلاص العبودية ، كما تلتقي بالنبي - الكلمة في الدعوة إليها . وهذا ما يجب أن يتمثّله الدعاة إلى اللّه ، العاملون في سبيل رسالته ، أن يتمثّلوا العبودية للّه في وعيهم الفكري والروحي ، وفي خطواتهم العملية ، لينفتحوا على الإخلاص له ، فلا ينحرفوا بخطواتهم ومشاعرهم ذات اليمين وذات الشمال ، لينطلقوا في الدعوة من موقع المعاناة وفي العمل من موقع الواقع ، وليؤكدوا دورهم من خلال الصدق ، ليكونوا دعاة للناس بغير ألسنتهم عندما يكونون عبادا مخلصين للّه قبل أن يكونوا الدعاة إلى عبادته . وربما كان لنا أن نستوحي من الحديث عن رسول اللّه صلى اللّه عليه وآله وسلّم من خلال صفة العبودية للّه ، كيف ينبغي لنا أن نتحدث عن العظماء على مستوى الأنبياء والأولياء والعلماء والأقوياء ، فلا نستغرق في استذكار عظمتهم الذاتية ، بعيدا