السيد محمد حسين فضل الله
55
من وحي القرآن
ثقة الداعية باللَّه كَذلِكَ أَرْسَلْناكَ فِي أُمَّةٍ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِها أُمَمٌ فمضت في التاريخ بكل أوضاعها المتنوعة من الكفر والإيمان ، والرشد والغي ، والهدى والضلال ، في التزامها بالرسالات وإيمانها بالرسل ، أو انفصالها عنها وعنهم ، فلم تكن هذه الأمة بدعا من الأمم التي أرسل اللَّه إليها رسله الذين تتحرك في مسيرتهم ، لِتَتْلُوَا عَلَيْهِمُ الَّذِي أَوْحَيْنا إِلَيْكَ من هذا القرآن في آياته التي تبين لهم رسالة اللَّه وشريعته ، ولكنهم لم يستجيبوا لك وَهُمْ يَكْفُرُونَ بِالرَّحْمنِ فلا يؤمنون به أو لا يؤمنون بتوحيده ، بل يشركون به شرك عقيدة أو عبادة ، اتباعا لأهوائهم ، في الابتعاد عن الصراط المستقيم ، فلا تتراجع أمام جحودهم وكفرهم ، بل تابع رسالتك ، واعمل على تأكيد الدعوة وإعلان التوحيد ، بكل قوة ، ولا تحزن ولا تكن في جانب الضعف ، لأنك في موقف القوة في العقيدة وفي الشريعة ، وفي المنهج . قُلْ هُوَ رَبِّي الذي أدين له بالربوبية ، وألتزم به في مواقف العبودية ، لا إِلهَ إِلَّا هُوَ في ما أتمثله من خط التوحيد ورفض الشرك ، في كل جوانب الحياة ، عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ في كل أموري التي يتحرك الغيب معها ، في ما لا أعرف كنهه ، ولا أدرك سره ، ولا أستوضح أمره من قضايا المستقبل وأخشى تهاويله وأشباه ومشاكله ، فألجأ إليه ، بعد استنفاد كل الوسائل التي أملك أمرها ، وأعرف حدودها . ويبقى للمستقبل خط التوكل الذي ينفتح فيه الشعور بالأمن والطمأنينة من خلال اللَّه ، فهو الملاذ والمرجع فإياه أدعو وَإِلَيْهِ مَتابِ فأوجه إليه التوبة من ذنوبي التي أسلفتها ، وأفتح له كل حياتي المستقبلية ، التي أثير فيها كل تاريخ حياتي الماضية بالتوبة والإيمان . وَلَوْ أَنَّ قُرْآناً سُيِّرَتْ بِهِ الْجِبالُ فتحركت معه ، أَوْ قُطِّعَتْ بِهِ الْأَرْضُ وشققت به أنهار وعيون أَوْ كُلِّمَ بِهِ الْمَوْتى فجعلها تتكلم ، لكان هذا القرآن