السيد محمد حسين فضل الله
53
من وحي القرآن
يتكفل بحل ذلك كله ، على أساس القاعدة الصلبة التي أقام عليها نظام الإنسان والحياة ، وفتح له الآفاق التي يلجأ فيها إليه ، ليرحمه ويلطف به ، حتى في قضاياه الجزئية ، ووعده بالاستجابة له ، إذا دعاه ، في حدود مصلحته في دنياه وآخرته ، وكل شيء عنده بمقدار . وهكذا يرجع المؤمنون إلى اللَّه كلما أصابهم حزن ، أو أحاطت بهم المشاكل ، ويذكرونه بالتسبيح والدعاء في حالة من الخشوع والإيمان والانفتاح ، وَتَطْمَئِنُّ قُلُوبُهُمْ بِذِكْرِ اللَّهِ أَلا بِذِكْرِ اللَّهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ فتسكن إلى رحمته ، وتهفو إلى لطفه ، وتستسلم لرعايته وتدبيره ، وهذا ما نستوحيه مما حدثنا اللَّه به عن رسوله ليلة الهجرة في غار حراء إِذْ يَقُولُ لِصاحِبِهِ لا تَحْزَنْ إِنَّ اللَّهَ مَعَنا فَأَنْزَلَ اللَّهُ سَكِينَتَهُ عَلَيْهِ وَأَيَّدَهُ بِجُنُودٍ لَمْ تَرَوْها ، [ التوبة : 40 ] فقد كانت ثقته باللَّه وبرحمته ورعايته ، هي الأساس في هذه الطمأنينة التي هزمت الخوف والحزن معا ، بدلا من أن تسقط مهزومة أمامهما ، وليس المراد بالذكر هنا - كما يظهر - الذكر بالكلمة ، بل المراد به الذكر في المواقف ، حيث يعيش الإنسان الشعور بحضور اللَّه في داخله ، فلا يغيب عنه ، في أي موقف من مواقف الاهتزاز أمام تحديات الحياة ومشاكلها ، فيتماسك ويتوازن ويقوى ويشتد ويثبت أمام اللَّه ، ليحس بالثقة بين يديه . . وذلك هو زاد المؤمن في الحياة ، وتلك هي قيمة الإيمان الروحية ، التي تجعله يختزن عناصر الثقة بالحياة من خلال الثقة باللَّه . الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ طُوبى لَهُمْ بما تعنيه الكلمة من الموقع الطيب ، وهو الجنة التي وعد اللَّه بها عباده المتقين ، وَحُسْنُ مَآبٍ يرجع اليه مصير الناس حيث يستريحون ، ويشعرون بالروح والراحة والرضا والطمأنينة والأمان في ظل رحمة اللَّه ولطف عنايته واستحقاق مثوبته ، وذلك هو الفوز العظيم .