السيد محمد حسين فضل الله
51
من وحي القرآن
في تفاصيلها ، وواجهوا أرباحها وسعتها ، من موقع الفرح الطاغي الذي تثيره المفاجأة ، وتحكمه الشهوة . ولكن لو فكر هؤلاء الناس بحجم الحياة الدنيا وحدودها ، إذ يستسلمون للفرح بها كما لو كانت هي الفرصة الأولى والأخيرة لدى الإنسان ، لما استسلموا لها هذا الاستسلام ، ولما فرحوا بها هذا الفرح ، بل لوقفوا أمامها موقفا متوازنا ، يحدد دورهم فيها ، ودورها في مصيرهم ، ويقف بحدودها عند حدود أعمارهم ، ولأدركوا الحقيقة الكونية التي تعتبر الدنيا بالنسبة إلى الآخرة ، مجرد متاع يستمتع به الإنسان ثم يتركه وَمَا الْحَياةُ الدُّنْيا فِي الْآخِرَةِ إِلَّا مَتاعٌ مقابل حياة الإنسان في الآخرة الممتدة في أجواء الخلود ورحابه ، حيث يتحدد موقعه فيها تبعا لعمله في الدنيا في خط الإيمان والكفر ، وحركة الطاعة والمعصية . ولكن الكافرين باللَّه وبرسله ، لا يريدون مواجهة حقائق الأشياء ، التي يقدمها الرسل إليهم ، فلا يدخلون معهم في حوار منتج ، حول الرسالة في مفاهيمها ، والرسول في دعوته ، بل يهربون إلى مواقع التحدي نتيجة عقد تحكمهم ، وتدفعهم إلى تسجيل المواقف . وَيَقُولُ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْ لا أُنْزِلَ عَلَيْهِ آيَةٌ مِنْ رَبِّهِ بما تمثله المعجزة من خرق للمألوف في أوضاع الكون ، كما في معجزة موسى أو عيسى عليهما السلام ، لزعمهم أن تحرك النبوة في أجواء المعجزة هو قاعدة عامة ، من دون التفات إلى أن دور المعجزة هو رد التحدي ذو الطابع ، العام ، حفاظا على سلامة الرسالة الخاصة التي تفرضها الاقتراحات المزاجية والتي تهدف إلى شغل النبي بها .