السيد محمد حسين فضل الله
36
من وحي القرآن
الكبير ، قُلْ أَ فَاتَّخَذْتُمْ مِنْ دُونِهِ أَوْلِياءَ تعبدونهم وتستنصرونهم ، وترجعون إليهم ، وتدعونهم من دون اللَّه . وليس الاستفهام واردا هنا لطلب المعرفة ، بل للإنكار ، لأن الذي يرتبط بإله غير اللَّه ، لا بد من أن يبحث فيه عن بعض ملامح الألوهية وصفاتها ، بما تمثله من شمولية القدرة وامتدادها وعظمتها ، فكيف يمكن أن يكون هؤلاء كذلك وهم لا يَمْلِكُونَ لِأَنْفُسِهِمْ نَفْعاً وَلا ضَرًّا ، وهذا أمر تكشفه التجربة الحيّة لطبيعة قدرتهم المحدودة ، حيث يتبدى عجزهم أمام أية حالة اعتداء عليهم ، أو أية حالة ضعف تعرض لهم ، فهم خاضعون - في جانب جلب النفع أو دفع الضرّ - للعوامل المحيطة بهم ، المرتبطة بقدرة اللَّه الكونية في علاقة المسببات بالأسباب . إنها الظاهرة التي تدعو إلى التأمل وعدم إعطاء الأشياء حجما أكبر منها ، بجعلها ترتفع إلى موقع لا تستحقه عبر التفكير الواعي بنقاط الضعف الكامنة في طبيعة الأشياء ، وعدم الاستغراق في نقاط القوة . هَلْ يَسْتَوِي الْأَعْمى وَالْبَصِيرُ أي الكافر الذي يشبه الأعمى ، لأنه لا يحاول معرفة الأمور من مواقع الإشراق التي تكشف حقيقتها ، ذلك أن حالة العناد والتمرد قائمة من الجهل الذي يجعله يهمل البراهين التي تقدم له ولا يفكر فيها وتكون نظرته إلى الأمور سطحية ومن وراء ضباب كثيف . أما المؤمن ، فينطلق من موقع النظرة العميقة المنفتحة في نطاق الحجة الواضحة ، والبرهان المشرق والرؤية البعيدة ، فهو مشرق في فكره وفي قلبه ، وفي انطلاقته في خط الإيمان . إنه الفرق بين الأعمى في قلبه ، وبين البصير في عقله ، تماما كالفرق بين الأعمى والبصير في عينيه ، هل يستويان : أَمْ هَلْ تَسْتَوِي الظُّلُماتُ وَالنُّورُ بما تمثله أجواء الكفر من ظلمات بعضها فوق بعض ، وبما تمثله أجواء الإيمان من نور فوق نور ، هل يستويان مثلا في النتائج التي يحصل عليها الإنسان السائر في هذه الأجواء أو تلك ، على مستوى التفكير ، وتقييم الأمور ، وطبيعة النظرة إليها والمصير ؟ أَمْ جَعَلُوا لِلَّهِ شُرَكاءَ خَلَقُوا كَخَلْقِهِ فَتَشابَهَ الْخَلْقُ عَلَيْهِمْ ، لأن الشرك الواقعي