السيد محمد حسين فضل الله

21

من وحي القرآن

الكافرون ينكرون بعثهم خلقا جديدا وَإِنْ تَعْجَبْ من شيء يثير الدهشة في نفسك ، لأنه لا ينطلق من منطلق معقول ، فَعَجَبٌ قَوْلُهُمْ هؤلاء الذين ينكرون المعاد ، وهم يؤمنون باللَّه الخالق للإنسان ، القادر على كل شيء ، بما يرددونه من حديث الكفر : أَ إِذا كُنَّا تُراباً بعد أن تفنى أجسادنا وتتحول إلى تراب ، أَ إِنَّا لَفِي خَلْقٍ جَدِيدٍ نعود فيه إلى الحياة أجساما تتحرك ، وروحا تحس وتفكر . وكيف يمكن للجماد أن يتحول إلى حياة ، وكيف يعقل للتراب أن يصير روحا وحركة وشعورا ؟ أما وجه العجب في ما يقولونه ، فهو أن الإيمان باللَّه الذي خلق الإنسان ، يفرض الإيمان بقدرته على إعادته ، لأن جانب الإيجاد أكثر صعوبة من جانب الإعادة . إنه الكفر الذي لا ينطلق من العقل ، بل من الألفة والعادة التي تجعل الإنسان ينكر ما يخرج عن المألوف لديه ، وإن كان قريبا لحسابات عقله ، أُولئِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا بِرَبِّهِمْ دون حجة أو برهان ، وَأُولئِكَ الْأَغْلالُ فِي أَعْناقِهِمْ جزاء لهم على الكفر الذي ينطلق من حالة عناد لا من حالة فكر ، وَأُولئِكَ أَصْحابُ النَّارِ هُمْ فِيها خالِدُونَ لأن اللَّه قد جعلها للجاحدين به وباليوم الآخر ، وللمنحرفين في الحياة عن خطّ هداه ، الأمر الذي أبعدهم عن رحمة اللَّه ، عندما انفصلوا عنه في حركة المسؤولية أمامه ، فلا مجال لهم للحصول على نتائج رحمته ، بدخول جنته والابتعاد عن ناره . وَيَسْتَعْجِلُونَكَ بِالسَّيِّئَةِ قَبْلَ الْحَسَنَةِ ، وهو أسلوب الكفار في التحدّي الذي لا يسعى إلى مد جسور الحوار وإيجاد أرضية للتفاهم ، بل يسعى إلى تنفيس عقدة الغيظ التي تعتمل في داخلهم أمام حالة العجز التي يشعرون بها في مواجهة الطرح الفكري للرسالة والإيمان ، فيطلبون من النبي - من موقع التحدي - الإتيان بالعذاب ليدمر الكافرين ، إذا كان هناك عذاب من قبل اللَّه ، بهدف إحراج النبيّ ، أو تدمير النفس ، وإنهاء لحالة الحيرة التي يعيشونها