السيد محمد حسين فضل الله
15
من وحي القرآن
الإنساني لجهة ما يشاهده الإنسان أو يلمسه ؟ إن القرآن يريد للإنسان أن يقرأ في صفحات الكون ما يراه من ظواهر الطبيعة ، وعجائب الخلق في الأرض والسماء ، ويفكر ويتدبّر ليصل إلى النتائج الحاسمة على مستوى العقيدة والحياة ، وليكون إيمانه صافيا صفاء النور في السماء ، عميقا عمق الينابيع في الأرض ، منسابا في كل لمحة ضوء تحدّق فيه ، وفي كل آية كونية تملأ البصر بعجائبها ، والعقل بأسرارها ومدلولاتها . إنه الإيمان الحي الذي يتجسد في كل ما يعيشه الإنسان في نفسه ، وما يحيط به من آفاق وأوضاع وموجودات . رفع السماوات واستوى على العرش إنّ ما تريد الآية أن تثيره ، هو أن تحرك الإيمان في وجدان الإنسان من خلال فكر الحياة . اللَّهُ الَّذِي رَفَعَ السَّماواتِ بِغَيْرِ عَمَدٍ تَرَوْنَها . فإذا فكر الإنسان بالخالق وبحث عنه ، أمام كل العقائد التي تتنوّع في حديثها عنه ، وتطلع إلى السماء وما فيها من كواكب فخمة سابحة في الفضاء ، وتأمّل كيف استطاعت أن تثبت في مواقعها من دون ركائز ، وحاول أن يدرس كيف حدث ذلك ، هل هناك ركائز خفية تختلف عما ألفه الإنسان من الأعمدة التي تمسك الأشياء المرتفعة في الفضاء ، ومن صنعها ؟ ومن الذي يملك القوة والقدرة على فعل ذلك ؟ لا شك أن الإنسان لن يجد بعد البحث إلا اللَّه الواحد القهار . وقد نلاحظ في هذا المجال أن الآية تتحدث عن الظاهرة العجيبة لتجعلها موضع تفكير الناس من جديد ، كي يدركوا سرّ العظمة فيها بالنظرة العامة ، أو بالنظرة العلمية الدقيقة ، فيخرجهم بذلك من حالة الألفة معها التي أفقدتهم الشعور بعناصر الإبداع وأسرار العظمة .