السيد محمد حسين فضل الله

60

من وحي القرآن

اللَّه ، لأنه موجّه إليه قبل أن يكون موجّها إليهم ، لذا كان جواب نوح صورة للموقف الرسالي الهادىء الذي لا تزلزله التحديات . قالَ إِنَّما يَأْتِيكُمْ بِهِ اللَّهُ إِنْ شاءَ لأن اللَّه هو الذي يملك أمر إنزال العذاب بكم من مواقع قدرته ، ومنه يصدر الإنذار ، ولست إلا مبلّغا لما أرسلني به ، وقد قدّر بمشيئته التي خضعت لها الأشياء أن لكل شيء وقته ، فما مدى قدرتكم حتى تطلقوا التحدي بمثل هذه الطريقة الاستعراضية ؟ وما وعيكم لقدرة اللَّه على عباده التي جربتموها في ما مرّ بكم من مصائب وأهوال ، وما تشاهدونه من حوادث الموت والفناء في الحياة ؟ ! وَما أَنْتُمْ بِمُعْجِزِينَ لأنكم لا تملكون الهرب من قضاء اللَّه وقدره ، ولا تستطيعون الوقوف أمام عذاب اللَّه في أيّ وقت جاءكم ، وفي أيّ مكان . وَلا يَنْفَعُكُمْ نُصْحِي إِنْ أَرَدْتُ أَنْ أَنْصَحَ لَكُمْ في ما أستخدمه من ترغيب وترهيب يدفعني إليه ما أحبه لكم من النجاة والنجاح ، إِنْ كانَ اللَّهُ يُرِيدُ أَنْ يُغْوِيَكُمْ من خلال زيادة غوايتكم لأنفسكم بالجحود والتمرد ، وبالتهرب من حوار الفكر والإيمان ، مما يجعل من الغواية عن طريق الرشد نتيجة طبيعية لذلك ، في ما ربط اللَّه به الأشياء بأسبابها ، فإن اللَّه جعل للرشد سببا ، وللغواية سببا ، إذا أخذ الناس به كانت إرادة اللَّه في حصوله بالسبب ، وهذا هو تفسير نسبة إرادة الغواية إلى اللَّه ، هُوَ رَبُّكُمْ القادر على تغيير ما أنتم فيه بسبب غير طبيعي ، ولكن حكمته اقتضت أن تخضع الحياة في كل شيء لسننه الطبيعية التي أودعها في الكون ، ليتحرك الناس من موقع الإرادة والاختيار ، لا من موقع القهر والإجبار ، وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ فيحاسبكم علي ما قدمتم من الأعمال السيئة في طريق الغواية والضلال . أَمْ يَقُولُونَ افْتَراهُ ويصرّون على اتهامه بذلك علي الرغم من براهين الصدق التي قدمها إليهم ، كأسلوب من أساليب التجريح والتشوية لموقفه .