السيد محمد حسين فضل الله

47

من وحي القرآن

جعلهم يخسرون كل شيء بخسارتهم قضيّة المصير ، وذلك هو معنى خسارة النفس ، لأن الحياة في العذاب ، لا تمثل حياة ، بل موتا محتوما هو أقسى من الموت الطبيعي ، الذي يمنح الإنسان الراحة السلبية لعدم الإحساس معه بالألم والعذاب ، بينما لا يذوق الإنسان المعذب بالنار طعم الحياة ، ولا يملك راحة الميت ، كما جاء في قوله تعالى : ثُمَّ لا يَمُوتُ فِيها وَلا يَحْيى [ الأعلى : 13 ] ، وتلك هي الخسارة العظمى ، وَضَلَّ عَنْهُمْ ما كانُوا يَفْتَرُونَ فلم يحصلوا على شيء منه ، وذهب كل ما افتروه وكذبوا به على اللَّه ، أدراج الرياح ، كرماد اشتدت به الريح في يوم عاصف ، لأنه لا يملك من الحقيقة شيئا ليبقى ببقائها ، ولا يثمر لهم أيّة نتيجة ، في ما استهدفوه من أطماع ومكاسب . وجاء في الميزان : « عن الفرّاء أن لا جَرَمَ : في الأصل بمعنى : لا بد ولا مجالة ، ثم كثرت ، فحوّلت إلى معنى القسم وصارت بمعنى « حقا » ولهذا تجاب باللام ، نحو : لا جرم لأفعلنّ كذا . انتهى » « 1 » . وعلى هذا فإن المعنى يأخذ معنى التأكيد بالقسم : أي حقا إنهم في الآخرة هم الأخسرون . أما الوجه في أنهم هم الأخسرون ، فقد يكون الأساس فيه اعتقادهم بأن الحياة هي الفرصة الأخيرة للإنسان ، لإنكارهم لليوم الآخر ، ولهذا فإنهم لا ينتظرون أيّ عقاب على أعمالهم ، فيستسلمون لشهواتهم وأطماعهم في استرخاء لذيذ ، فإذا بهم يفاجأون بعذاب ينتظرهم في الآخرة ، لا يتوقعون مثله ، بينما ينتظر غيرهم من العاصين العذاب ، فلا تصدمهم المفاجأة ، وقد يكون الأساس أن الكافرين يفقدون كل شيء في الآخرة ، بينما لا يفقد العاصون الذين لا يخلّدون في النار ، إذا عذبوا فيها ، إلا بعضا من فرص الآخرة . واللَّه العالم .

--> ( 1 ) تفسير الميزان ، ج : 10 ، ص : 183 .