السيد محمد حسين فضل الله

43

من وحي القرآن

وبين من كان لا يعيش وضوح ذلك ، لأنه لا يريد الاهتداء ، ولا يخضع له ، وقد نجد في كثير من الاحتمالات المذكورة في هذا المجال ما لا يتناسب مع سياق الآية . فلنجمل ما أجمله اللَّه ، ولنطلب الوضوح في ما أراده لنا من قواعده ، ولنرجع علم ما أبهم علينا أمره إليه . اللَّه يؤاخي بين الرسالات وَمِنْ قَبْلِهِ كِتابُ مُوسى إِماماً وَرَحْمَةً في ما تمثله التوراة من قاعدة للفكر وللتشريع ، أراد اللَّه للناس أن يتمثلوها فكرا وعملا خلال حياتهم في الفترة التي سبقت نبوّة النبي محمد صلّى اللَّه عليه وآله وسلم ، وقد أبقى اللَّه من مفاهيمها وأحكامها في مضمون رسالته ، لأن التوراة كانت - كما يبدو - أوّل كتاب سماويّ شامل أنزله اللَّه على رسله ، بحيث غدا إماما لبقيّة الكتب ، لأن اللَّه أراد أن يؤاخي بين رسالاته وكتبه في الأسس الثابتة من العقيدة والتشريع ، وجعل من كل رسول امتدادا للرسول الذي سبقه ، ومن كل كتاب مصدّقا للكتاب الذي جاء بعده ، أو قبله ، بما يتضمّنه من وحي ينظم أمر العباد ، ويهديهم به إلى سواء السبيل . وربّما كان ذكر كتاب موسى ، في هذا السياق ، باعتباره مؤكّدا للإيمان في كثير من تفاصيله التي تصدّق هذا الكتاب في المبدأ والتفاصيل . أُولئِكَ يُؤْمِنُونَ بِهِ أي بالكتاب - وهو القرآن - المستفاد من سياق الآية ، لأنهم يملكون البيّنة على هذا الإيمان . وَمَنْ يَكْفُرْ بِهِ مِنَ الْأَحْزابِ المتمثلة في جماعات الكفر والشرك والضلال ، فَالنَّارُ مَوْعِدُهُ ، لأنه لا يملك الحجة على ما يعتقده من كفره وضلاله ، في ما يملك اللَّه الحجة البالغة عليه فَلا تَكُ فِي مِرْيَةٍ أي في شك مِنْهُ أي من هذا الكتاب الذي أنزله اللَّه عليك ، مهما أثاروا حولك من تهاويل الشك ، لأن ما تملكه من البيّنة