السيد محمد حسين فضل الله

76

من وحي القرآن

بطريقة أخرى ، وهي فرض ضريبة تابعة في تقدير كميتها ونوعيتها لتقدير وليّ الأمر الذي يدرس المسألة من موقع مصلحة الإسلام العليا ، ودراسته للواقع الذي يعيشه هؤلاء من ناحية واقعهم المالي ونحوه . وليس لهذه الضريبة التي تسمّى بالجزية ، أيّ مدلول تعسفيّ في ما يتعلق بإنسانية هؤلاء ، بل هي على العكس من ذلك ، ذات مدلول واقعىّ يتحرك من موقع النظرة إلى الأعباء التي يتحملها الحكم الإسلامي ، في ما يحمله من مسؤولية حماية هؤلاء ورعايتهم وتوفير الضمانات الحقيقة لوجودهم ، مع عدم تحميلهم أيّة مسؤولية في الدخول في الحروب التي يخوضها المسلمون ضد الآخرين ممن يدينون بدينهم ، أو ممن يختلفون عنهم في ذلك ، وعدم مطالبتهم بالضرائب الأخرى المفروضة على المسلمين . ولوليّ الأمر أن يعفو عنها في بعض الظروف ، وله أن يخفف منها في بعض آخر ، مما يعطي المسألة مرونة تشريعية تفسح المجال لكثير من التوسعة والتغيير . ولسنا هنا من أجل الدخول في عملية توفيقيّة تبريريّة أو دفاعيّة في الرد على الذين أثاروا النكير على الإسلام في تشريعه الجزية على أهل الكتاب ، سواء أكانوا من أهل الكتاب أم من غيرهم ، في ما أرادوا به تشوية صور التشريع الإسلامي للحياة ، بل نحن - هنا - لاستلهام الواقعية التشريعيّة التي تواجه المسألة من قاعدتها الحقيقيّة ، وهي قاعدة التعامل مع الأشياء والأشخاص من خلال دراسة الواقع الذي يريده الإسلام لنفسه ولاستمراره في ما يريده من سلطة الحكم والتشريع والحياة ، بالإضافة إلى دراسة حقوق الآخرين بالطريقة التي تتناسب مع أهداف الإسلام الحياتية . وقد نستطيع التأكيد على الوجه الإيجابي المشرق للتشريع الإسلامي في هذا المجال ، حيث راعى في الإنسان غير المسلم مشاعره الدينيّة ، إذ قد يضطر لمحاربة شخص أو جماعة من أهل دينه في ما لو فرض عليه القتال