السيد محمد حسين فضل الله
49
من وحي القرآن
يتعاونون على الدعوة إلى اللَّه بالحكمة والموعظة الحسنة ، ويتواصون بالحق ، ويتواصون بالصبر والمرحمة ، ويجاهدون في سبيل اللَّه بأموالهم وأنفسهم ، أولئك هم المجاهدون ، الذين يخلصون لروحية الجهاد قبل أن ينطلقوا في حركته . وَلَمْ يَتَّخِذُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ وَلا رَسُولِهِ وَلَا الْمُؤْمِنِينَ وَلِيجَةً فهؤلاء المؤمنون هم الذين لم ينفتحوا على غير اللَّه ورسوله والمؤمنين من بطانة السوء التي تتحرك في أجواء الباطل وآفاقه . وهناك في الجانب الآخر من التجربة ، ما يريد اللَّه أن يظهره من الخلفيات الداخلية لعباده ، ليميز الخبيث من الطيب ، ويتمثل هذا بالذين يتساقطون أمام الزلزال النفسي والروحي والجسدي ، في ما تقدّم لهم الدنيا من أطايبها وأطماعها وشهواتها ، وفي ما تحذّرهم منه من تضحياتها وجهادها وآلامها ، وما تثيره أمامهم من مخاوفها وأوهامها ، حتى يشعروا أن الأرض تميد بهم ، وأنهم سائرون إلى قرار سحيق ، فيحاولون التعلق بأيّ شيء يبعدهم عن الهلاك في ما يتوهمون ، ولكنهم يظلون في عملية تساقط وتراجع ، فلا يبقى لهم إلا الأشباح والأوهام والفراغ الهائل في متاهات الضياع . إن الدين تجربة مستمرة في حركة الإنسان أمام تحديات الواقع ، ولا بد للإنسان المؤمن من أن يواجه الموقف من موقع المسؤولية أمام اللَّه في ما يريده اللَّه ، وما لا يريده ، لأن ذلك يتصل بقضية المصير في الدنيا والآخرة ، فلا مجال لأيّة نتيجة إيجابية أو سلبية إلا على أساس التجربة الواقعية على مستوى الحياة الفردية والاجتماعية ، ولا مجال للتهرب من ذلك بطريقة اللف والدوران ، لأن اللَّه هو المطّلع على خفايا الأشياء ودقائقها ، فلا يعزب عن علمه مثقال ذرّة في الأرض ولا في السماء وَاللَّهُ خَبِيرٌ بِما تَعْمَلُونَ