السيد محمد حسين فضل الله

29

من وحي القرآن

القضية - في الدعوة - ليست مجرد كلمات تقال أو تسمع بطريقة تقليديّة جامدة ، بل هي قضية عقيدة يراد لها أن تتركز وتتعمّق في فكر الإنسان وروحه وضميره ، أو تشكّل ضغطا فكريّا يعمل على إثارة تطلعات المعرفة في شخصية الإنسان ثُمَّ أَبْلِغْهُ مَأْمَنَهُ ليشعر بأن الإسلام لا يريد أن يستغل ضعف موقعه ، بل يترك له الحريّة في هذا الموقع ، كما ترك له ولغيره الحرية في الأشهر الأربعة ذلِكَ بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لا يَعْلَمُونَ وتلك هي مشكلتهم إذ يجحدون حقائق الإيمان وينحرفون في ممارسات الانتماء أو العبادة ، إنها الجهل الغارق في ظلمات التخلّف في النظرة إلى الأشياء ، وفي التعامل مع حركة العلاقات في الحياة . ولهذا كان من مهمّة الدعاة إلى اللَّه أن يعملوا على رفع مستواهم الفكري ، وتوجيههم إلى السّبل التي تقودهم إلى آفاق المعرفة الواسعة المنفتحة على وحي اللَّه وشريعته . وربما كان لنا أن نستوحي - في هذا الاتجاه - أنّ علينا أن نقوم بحملة تربوية تثقيفية عامة للشعوب المتخلّفة التي استطاع التخلّف أن يغرقها في ظلمات الجهل ويقودها - من خلال ذلك - إلى عقائد الكفر والضلال ، مما يجعل من التعليم الذي يتيح للإنسان أن يفكّر ويتأمّل ويناقش ، سبيلا للوصول إلى الإيمان ، كمبدإ في بدايات الطريق ، أو للتأكيد على ثباته واستمراره في حركة الدعوة الممتدة في الحياة . وبذلك يمكن لنا أن نعرف قيمة الخروج من الوضع التقليدي للدعوة الذي لا يدرس المشكلة في مسألة الكفر والإيمان من جذورها التي تتدخل فيها بشكل غير مباشر ، بل يقتصر على مواجهتها بطريقة مباشرة بعيدة عن العمق والامتداد .