السيد محمد حسين فضل الله
80
من وحي القرآن
تقوى ، ويكون الآخر ليس عنده فإذا ارتفع له الباب من الحرام لم يدخل فيه « 1 » . فهذا الحديث يوحي بأن مسألة التقوى ليست مسألة استهلاك للعمل من دون وعي وعمق في القاعدة الفكرية الروحية للإنسان ، بل هي مسألة عمق فكري روحيّ يكمن في الذات ليملك الإنسان نفسه أمام عناصر الانحراف التي تجتذب عناصر الضعف فيه لتنحرف به عن الخط المستقيم ، الأمر الذي يجعل القضية مرتبطة بالنوعية لا بالكمية . وقد جاء في حديث آخر عن أبي جعفر عليه السّلام قال : كان أمير المؤمنين صلوات اللَّه عليه يقول : لا يقلّ عمل مع تقوى ، وكيف يقلّ ما يتقبل « 2 » . وهكذا نفهم كيف تعطي التقوى للعمل حجمه وحيويته وحركته في رضوان اللَّه ، فيتقبله اللَّه فيكون كثيرا في نتائجه ، وهو القليل في حجم العدد . وتبقى مسألة التقوى في مسؤولية الإنسان خاضعة لقدرته فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ لأن اللَّه يريد للإنسان جهده ، فلا يكلفه ما لا يطيق ، فعليه أن يحرك التقوى في مدى استطاعته في إيحاء خفيّ بأن الاستطاعة معنى متحرّك في تنمية الإنسان لقدرته تبعا لطموحاته الفكرية والروحية والعملية في التنمية الذاتية ، في وجوده في العرض والطول ، والكمية والنوعية . وتتحول التقوى في وجدان الإنسان إلى وعي الكلمات الرسالية التي إذا سمعها المتقون ، المفتوحة قلوبهم على كلمات اللَّه ، كانت هدى لهم هُدىً لِلْمُتَّقِينَ [ البقرة : 2 ] وإذا اكتست مضمونا وعظيا يحرك مشاعر الإحساس ونبضات القلوب كانت موعظة لهم وَمَوْعِظَةً لِلْمُتَّقِينَ [ البقرة : 64 ] وإذا انطلقت لتخرج الإنسان من غفلته كانت ذكرا لهم وَذِكْراً لِلْمُتَّقِينَ
--> ( 1 ) الكافي ، ج : 2 ، ص : 76 ، رواية : 7 . ( 2 ) ( م . ن ) ، ج : 2 ، ص : 75 ، رواية : 5 .