السيد محمد حسين فضل الله
77
من وحي القرآن
الفراغ ، أو فقّاعة تنتفخ ثم تنفجر لتتحول إلى لا شيء ، ولكنها البداية التي تعتبر النقطة الأولى في حركة المسؤولية التي تنطلق وتتوهّج لتنتظر نتائجها ، بعد هدأة قصيرة تغفو فيها الحياة على ذراع الموت ، لتعود من جديد في مواجهة النتائج بين يدي اللَّه . . . فلا تعتبروا الموت نهاية الحياة ، بل انتظروا - من خلاله - رحلة العودة إلى الحياة من جديد ، في أجواء متنوعة الألوان والأشكال والآفاق ، تبعا لتنوع الأفكار والمواقف والأعمال . . . إنها اللمحة الموحية التي تريد للإنسان أن لا يستسلم للخدر الذي توحي به الغفلة المطبقة على فكره وشعوره ، لتبعده عن التفكير الواعي في ما يجب أن يواجهه في مستقبله الأخروي من نتائج المسؤولية في إيجابياتها وسلبياتها ، على أساس حركة الحياة في هذا الاتجاه المسؤول ، في انفتاح رحلة البداية على رحلة العودة . كَما بَدَأَكُمْ تَعُودُونَ ، فكيف تتصرفون في ذلك ؟ فَرِيقاً هَدى في ما أعطاه اللَّه من وسائل الهداية من عقل ووحي وإرادة ، وحسّ يتصل بالعالم من خلاله ، ليستمدّ من ذلك المواد الخام للمعرفة . . . فاستفاد منها في تعميق إيمانه باللَّه ، وهدايته لدينه ، وتلك هي الأسباب الطبيعية التي جعلها اللَّه سبحانه أساسا لهداية الإنسان على طريق الاختيار ، وَفَرِيقاً حَقَّ عَلَيْهِمُ الضَّلالَةُ أي ثبت عليهم هذا الخط وتأكّد في ما اختاروه لأنفسهم من وسائل تبعدهم عن أجواء الهدى ، وتقربهم من أجواء الضلال . فان الإنسان إذا انطلق في هذا الاتجاه كانت الضلالة أمرا طبيعيا في حياته . إِنَّهُمُ اتَّخَذُوا الشَّياطِينَ أَوْلِياءَ فساروا معهم في ما شقوه لهم من طريق ، وانجذبوا إليهم في ما زينوه لهم من أعمال ، وانتصروا بهم في ما واجهوه من مواقف . . . وخرجوا من ولاية اللَّه ، وتحركوا بعيدا عن طاعته ومنهجه في الحياة ، فضلّوا وضاعوا في متاهات الطريق . وَيَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ مُهْتَدُونَ ، لأنهم لم يتعرفوا الخط الفاصل بين الهدى والضلال ، ليحدّدوا لأنفسهم الهوية الحقيقيّة للمسار وللمصير . * * *