السيد محمد حسين فضل الله
75
من وحي القرآن
لا يأمر الله إلا بالقسط وَإِذا فَعَلُوا فاحِشَةً أي معصية ، في ما تمثله من تجاوز الحدود المعقولة الشرعية التي فرضها اللَّه للأشياء ، وقد غلبت على الأفعال المتعلقة بالجنس أو القريبة منه ، ولكن الظاهر شمولها في هذه الآية لكل عمل يخالف فيه الإنسان ربّه ، مما تدفعه إليه وسوسة الشيطان ، سواء منه ما يتعلق بانحراف في المنهج ، أو في الممارسة . قالُوا وَجَدْنا عَلَيْها آباءَنا وهذا هو المنهج الخطأ الذي قد يوجّه الشيطان الإنسان إليه ، ليربطه بالخط الفكري أو العملي الذي سار عليه الآباء ، في ما يدينون به من دين ، وما يحملونه من فكر ، وما يرتبطون به من علاقات ، وما يقومون به من أعمال . . . على أساس الحالة العاطفية التي تدفع الإنسان إلى احترام كل ما يتصل بآبائه وأجداده ، وإلى التنكر لكل ما يبعده عن ذلك . . . وفي هذا الجو ، كان هؤلاء الذين عاشوا ولاية الشيطان في حياتهم ، يبرّرون فعلهم للفاحشة بأن ذلك هو عادة الآباء ، كما لو كان ذلك شيئا مقدّسا لا مجال للاعتراض عليه . وربما كانوا يشعرون بأن ذلك غير مقنع لدى بعض الناس الذين يرون أن الأمر الإلهي هو الذي يمكن أن يبرر للإنسان ما يعمله ، فحاولوا أن يربطوا أعمالهم باللَّه فقالوا : وَاللَّهُ أَمَرَنا بِها ، ولكن اللَّه يردّ على هذا الزعم ، بأنه لا يمكن أن يأمر بالفحشاء ، قُلْ إِنَّ اللَّهَ لا يَأْمُرُ بِالْفَحْشاءِ فكيف تنسبون إليه ذلك ، من دون حجة ؟ ! أَ تَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ ما لا تَعْلَمُونَ ؟ ! وتلك جريمة كبيرة ، في ما تؤدي إليه من تزييف الحقيقة الإلهية ، في العقيدة أو التشريع ، مما يقود إلى الاجتراء على اللَّه من جهة ، وإلى تزييف الصورة الحقيقية للمسار الإنساني في خط الايمان من جهة أخرى . قُلْ أَمَرَ رَبِّي بِالْقِسْطِ وهذه هي الصورة المشرقة لأجواء الأوامر الإلهية ، التي يمكن للإنسان أن يأخذ منها الفكرة الصحيحة ، في التمييز بين ما أمر اللَّه