السيد محمد حسين فضل الله

54

من وحي القرآن

هذه الشجرة بالذات ، ما دامت الشجرة لا تمثل شيئا مميزا في شكلها وثمرها . * * * التوهّم علّة الانحراف ولكنّ إبليس ، الذي أخرجه اللَّه من الجنة ، ومنعه أن يسكنها ، كان يملك الاقتراب منها ، أو التردّد عليها ، فعمل على أن يثير في داخلهما الأفكار التي تجعل من هذه الشجرة قضيّة مهمة ذات أبعاد كبيرة في حياتهما ، وأن يحوّل هذا السلام الداخلي والصفاء الروحي - اللذين يعيشانهما في علاقتهما باللَّه - إلى حالة عنيفة من الهمّ والقلق والتطلّع إلى آفاق موهومة يفتحها الخيال الذي يريد إثارته في أحلامهما . وتلك هي قصّة الأحلام السعيدة في أكثر مظاهرها ، فهي تتحرك من مواقع الخيال الذي يتحرك في النفس كما يتحرك الضباب ، فيحسّ معه الإنسان بسحر الغموض الذي لا يطيق معه أن يخرج إلى مطالع النور ، وكلّما زادت خيالات الإنسان ، كلما ابتعدت الصورة الحقيقية عن وجدانه ، لأنه يعطيها ضخامة لا تملكها ، وسحرا لا تحتويه . وهذا ما يزيّن المعصية لدى الإنسان ، عندما يتحرك للاعتداء على ما يملكه غيره ، مما يملك مثله ، على أساس الخيالات التي تصوّر له أنه يتميز عمّا لديه . وهذا ما عبّر عنه الإمام علي عليه السّلام عندما كان جالسا بين أصحابه ذات يوم ، فمرّت امرأة جميلة ، فرمقها القوم بأبصارهم ، فقال لهم : « إن أبصار هذه الفحول طوامح وإن ذلك سبب هبابها ، فإذا نظر أحدكم إلى امرأة تعجبه فليلامس أهله ، فإنما هي امرأة كامرأته » « 1 » . هذا ما يريد أن يثيره في أنفسهم . . ليس هناك فرق بين الشهوة التي يحصل عليها من الاتصال بامرأته أو من الاتصال بامرأة أخرى ، إلا في ما يثيره

--> ( 1 ) نهج البلاغة ، ص : 550 ، حكمة : 420 .