السيد محمد حسين فضل الله
44
من وحي القرآن
عناصر الوجود ، وعن اختلاف الجوانب في خصائص الذات ، وعن البعد الفكري عن فهم الآخر في مميزاته الوجودية ، تماما كمن يقضي عمره في زاوية مغلقة يستغرق فيها فيخيّل إليه أن العالم يتمثل في هذه الزاوية ، لأنها هي التي عانت فيها تجربته الذاتية . وهذه هي مشكلة الأنانيين الذين لا ينظرون إلى الناس الآخرين في فضائلهم المميزة ، ولا ينظرون إلى أنفسهم في سلبياتهم الذاتية ولا يدخلون في مقارنة واقعية إنسانية بين عناصرهم الشخصية وعناصر الآخرين ، وبذلك تتحوّل الأنانية إلى كبرياء لتتحول الكبرياء إلى عقدة في الذات توحي باتخاذ المواقف العدوانية ضد الآخر ، لا سيّما إذا استطاع أن يبلغ الدرجات العليا في الحياة ، وأن يتغلب عليه في الحصول على امتيازات واقعية في الواقع الإنساني . وهذا هو الذي تمثله إبليس في موقفه من آدم وبنيه ، فقد استفاد من حرية الحركة التي منحه اللَّه إياها في التجوال في الجنة التي كان يقيم فيها آدم وزوجه ، ومن نقاط الضعف البشري في شخصيته ، ومن فقدانه للتجربة المتحركة في معرفة إبليس الذي لم يتيسّر لآدم التعرف عليه بخصائصه الشريرة عن قرب . . وهكذا عمل على أن يرسم خطته في إبعاده عن رضوان اللَّه وقربه منه ، وذلك بالعمل على استغلال نهي اللَّه لآدم وزوجه عن أكلهما من الشجرة لحكمة منه في ذلك ، مما لم يثر فيهما أيّ ردّ فعل سلبيّ ، فقد تقبلاه بكل رضى وطواعية وخضوع وإذعان . وبدأ إبليس خطّته ، فقد أقسم لهما إنه من الناصحين ، ليبعث الثقة به في وجدانهما ، لأنه ليس من الطبيعي أن يقسم باللَّه كاذبا لا سيّما أنهما كانا لا يعرفان الكذب في التجربة الواقعية ، ثم أنار في داخلهما أحلام الخلود والتحوّل إلى الشخصية الملائكية التي ربما كانا يملكان صورة