السيد محمد حسين فضل الله

423

من وحي القرآن

المشركين ، وعدم اللجوء إلى قتلهم في المعركة ، وذلك من أجل الحصول على الفداء ، ليستفيدوا به في تقوية أنفسهم ماليا . وتلك نقطة ضعف يسجلها اللَّه عليهم في هذا الاتجاه ، فإن المقاتل الذي يشعر بخطورة القوة الكبرى المهيمنة على شؤون الناس بالظلم والسيطرة ، لا يعيش في المعركة هاجس النفع المادي ، بقدر ما يعيش هاجس القضاء عليها ، بالقضاء على كل رموزها لئلّا تكون فتنة ويكون الدين للَّه . . . لا سيّما في المرحلة الصعبة التي خاض فيها المسلمون المعركة غير المتكافئة ضد قريش وانتصروا فيها ، ممّا يفرض التفكير في إضعاف أيّة مبادرة مستقبلية لمعركة جديدة ، في ما يمكن أن تفكر به قريش من هجوم جديد ثأرا لنفسها . ولكنها التجربة الأولى للمسلمين الذين كانوا يخوضون فيها معركة الوجود واللاوجود للإسلام . فخاضوها على الطريقة التي كانوا يخوضون فيها معاركهم الخاصة سابقا ، في قتل البعض ، والإبقاء على البعض الآخر من أجل الفداء ، فكانت هذه الآية تناقش المسألة من زاوية المصلحة الإسلامية العليا في حركة الأنبياء ، فليس للنبي الداخل في معركة من معارك الإيمان والكفر ، أن يكون له أسرى ، حتى يتمكن في الأرض ويستقر ويثبّت أقدامه ، لينطلق - بعد ذلك - من موقع قوة ، بعيدا عن إمكانات التحرّك المضاد من قبل الأعداء . تُرِيدُونَ عَرَضَ الدُّنْيا الذي يزول بسرعة وَاللَّهُ يُرِيدُ الْآخِرَةَ فهي التي ينبغي لهم أن يستهدفوها في معاركهم ، تحقيقا لمرضاة اللَّه بتحقيق غاياته التي أقام عليها حركة المعركة ، فإن المؤمن يريد ما يريده اللَّه ، ويحب ما يحبه ، ويتجرد عن النوازع الذاتية والمنافع الشخصية . . . وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ فلا يغلب في ما يريده ، ولا يعبث في ما يشرّعه من أحكام وما يبيّنه من تعاليم . . . لَوْ لا كِتابٌ مِنَ اللَّهِ سَبَقَ في عدم تعذيبكم وإهلاككم ، لأنه أراد أن يفسح لكم المجال من أجل أن تتعمّقوا في المعرفة التي تفتح لكم باب التجربة الحية الواعية ، التي تتعامل مع النتائج المستقبلية للأحداث بدلا من النتائج