السيد محمد حسين فضل الله

418

من وحي القرآن

يَفْقَهُونَ ولا يعقلون الأسس التي يرتكز عليها النجاح في الدنيا والآخرة ، ولا يعرفون أنّ هؤلاء الذين يعبدونهم من دون اللَّه لا ينفعونهم شيئا لأنهم لا يملكون لأنفسهم نفعا ، ولا يدفعون عنها ضرّا . . . ومن خلال ذلك ، فهم لا يحملون عمق الفكرة التي تهزّ وجدانهم وتطهّر مشاعرهم ، وتثير في داخلهم الامتداد في حركة الحياة أمام قضية المصير ، ولذا فإنهم لا يملكون روح الثبات في المعركة ، لأنهم لا يرتبطون بالهدف الحقيقي الذي يبدأ من موقع الفكر والروح ليمتد في ساحة المعركة ، ممّا يجعلهم لا يملكون أساسا للقوة ، كما يجعل هذه الدعوة الإلهية - في ما يريده من مستوى المواجهة - دعوة واقعية تتحرك في دائرة الإمكانات المعقولة للمؤمن القويّ الواعي في صبره ، الصابر في كل تطلّعاته ومواقفه . . . وربما كان هذا التفصيل في ذكر العشرين في مقابل المائتين ، وفي ذكر المائة في مقابل الألف ، للتأكيد عليهم في أن عددهم - في معركة بدر - الذي يبلغ الثلاثمائة والثلاثة عشر رجلا ، يتفوق في القوة الصابرة ، على عدد الألف الذي يبلغه جيش قريش ، لأنه سيتحول إلى أكثر من ثلاثة آلاف رجل يقابلون ألف رجل ؛ واللَّه العالم . * * * التدرج في رفع المستوى الروحي لدى المؤمنين الْآنَ خَفَّفَ اللَّهُ عَنْكُمْ وَعَلِمَ أَنَّ فِيكُمْ ضَعْفاً من خلال التجربة الأولى التي تمارسونها في أول معركة مع قريش ، ومن خلال الوسائل المحدودة التي تملكونها في حساب القوّة المادية ، بالإضافة إلى نقاط الضعف الذاتية المتحكّمة في واقعكم الداخلي ، وغير ذلك مما يفرض التدرّج في رفع المستوى الروحي لدى المؤمنين ، لأن حيويّة الصبر لا تنمو ولا تتعاظم إلا في نطاق الظروف الموضوعية الذاتية المنسجمة مع الواقع الداخلي من الوعي