السيد محمد حسين فضل الله
406
من وحي القرآن
من عهده ، فينذرهم بإلغاء العهد ليكونوا على بيّنة من أمرهم ، ويبدأ التصرف معهم بما يناسب المقام ، لأنهم خانوا اللَّه ورسوله . إِنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ الْخائِنِينَ لأن هؤلاء لا يمثّلون التوازن الروحي والعملي الذي تقوم عليه الحياة وتتحرك به في الاتجاه السليم . وفي هذا إيحاء للمؤمنين بأن عليهم أن يعيشوا في داخلهم الرفض النفسي والعاطفي للخائنين ، لأن مشاعرهم لا بد من أن تكون منسجمة مع الخط الإلهي المحدد للخط الشعوري لحركة الإنسان في الحياة ؛ فيحبون من يحبهم اللَّه ، لأن اللَّه لا يحب إلا الطيبين المخلصين ؛ ويبغضون من يبغضهم اللَّه ، لأنه لا يبغض إلا المنحرفين الخائنين . . . وبذلك لا يعيش المؤمن الازدواجية بين قناعاته ومشاعره ، كما يعيش ذلك بعض الناس عندما تتجه مشاعرهم في غير اتجاه قناعاتهم ، لأن المؤمن يمثل الوحدة في الفكر والعاطفة والحياة . * * * المؤمن عينه دائما على المستقبل وَلا يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا سَبَقُوا وهناك قراءة معروفة بالتاء ، أي : ولا تحسبن يا محمد أن الذين كفروا سبقوا ، أي لا تخف من قوتهم وتقدمهم في بعض المراحل أو المعارك . إِنَّهُمْ لا يُعْجِزُونَ اللَّه فسيدركهم أينما ذهبوا ، لأنه على كل شيء قدير . ولهذا فإن على المؤمنين مواصلة مسيرتهم على أساس النفس الطويل الذي لا يربط النتائج الحاسمة بالمرحلة ، بل يعمل على التطلع إلى النتائج في حسابات الأهداف البعيدة . وسيجدون من خلال هذه النظرة ، أن الظروف التي توحي بالضعف والهزيمة الآن ، قد لا تكون كذلك في مستقبل المعركة ، فقد يحمل المستقبل بعض الفرص التي تفتح باب النصر على مصراعيه وَيَوْمَئِذٍ يَفْرَحُ الْمُؤْمِنُونَ * بِنَصْرِ اللَّهِ [ الروم : 4 - 5 ] .