السيد محمد حسين فضل الله
404
من وحي القرآن
الثابتون على الكفر شر الدواب في هذه الآيات ، وما بعدها ، حديث يتنوّع في قضايا علاقات المسلمين مع الكافرين الذي يقاتلونهم أو الذين يعاهدونهم ثم ينقضون عهدهم . . . وكيف تكون أوضاع الحرب والسلم في هذا الجو المتقلّب المضطرب . وهذا ما نتابعه في الآيات التالية . إِنَّ شَرَّ الدَّوَابِّ عِنْدَ اللَّهِ الَّذِينَ كَفَرُوا ، لأنهم لا ينطلقون من قاعدة إيمانيّة ثابتة تتصل باللَّه ، وتنطلق في حركاتها وعلاقاتها من خلاله ، وبذلك يشعرون بمسؤولياتهم عن الحياة وعن الإنسان ، فيحترمون كل المواثيق والالتزامات التي تتعلق بالخير والعدل والسلام ، وتلك هي مشكلة الكفر ، في ما يوحي به للإنسان من التحرر من كل قيد من قيود المسؤولية . ولهذا فإنّ الكافرين يتحوّلون من موقع إلى موقع ، ويتهربون من كل عهد ، ليعطوا بعد ذلك عهدا آخر . . . وهكذا يخلقون للحياة القلق والارتباك . فَهُمْ لا يُؤْمِنُونَ باللَّه وبرسله وباليوم الآخر ، ليلجأوا من ذلك إلى ركن وثيق ، مما جعلهم شرّ الموجودات التي تتحرك في الكون وتدب على الأرض التي لا تسيء إلى سلامة الحياة ولا تشوّه وجهها ، بل تتجه إلى الغاية التي أرادها اللَّه لها في نطاق قوانينه الطبيعية ، بينما نجد الكافرين يخرّبون الحياة وينحرفون بها عن الصراط المستقيم ، بالتمرد على خالقهم وإنكار وجوده أو جعل الشركاء من دونه . الَّذِينَ عاهَدْتَ مِنْهُمْ ثُمَّ يَنْقُضُونَ عَهْدَهُمْ فِي كُلِّ مَرَّةٍ لأنهم لا يرون في العهد التزاما داخليا عميقا مقدّسا ، بل يرون فيه مجرّد فرصة ينتهزونها للخروج من مأزق طارئ وضغط عنيف ، أو يعتبرونه دورا يمثلونه ليجلبوا لأنفسهم نفعا ، أو ليدفعوا عنها ضرّا . فهم يلعبون بالكلمات تماما كأيّة لعبة أخرى ، ولهذا فإنهم لا يجدون أي حرج في الرجوع عنه أو نقضه ، لأن القضية - في مثل هذه الأمور - هي قضية الضغط الخارجي ، أو الوازع الداخلي ، فإذا ابتعد