السيد محمد حسين فضل الله
398
من وحي القرآن
فَأَخْلَفْتُكُمْ وَما كانَ لِي عَلَيْكُمْ مِنْ سُلْطانٍ إِلَّا أَنْ دَعَوْتُكُمْ فَاسْتَجَبْتُمْ لِي فَلا تَلُومُونِي وَلُومُوا أَنْفُسَكُمْ ما أَنَا بِمُصْرِخِكُمْ وَما أَنْتُمْ بِمُصْرِخِيَّ إِنِّي كَفَرْتُ بِما أَشْرَكْتُمُونِ مِنْ قَبْلُ [ إبراهيم : 22 ] وهكذا نجد هذه الآيات تتحرك في جوّ واحد ، وإن اختلفت أساليبه . وقد ناقشه بعض المفسرين ، فاعتبروا أن ما دلّت عليه الروايات ليس بمستحيل ، فلا مانع من أن يتمثل الشيطان بصورة رجل ليتحدث مع الناس ويتحدّثوا معه من دون أن يبيّن لهم شخصيته . فإذا كان هذا الأمر ممكنا ، فلا من بد أن يحمل ظاهر القرآن عليه ، ولا مانع من ذلك على الأقلّ . ولكننا نناقش الموضوع من ناحية أخرى غير ناحية الاستبعاد ، لأنها لا تنهض حجة على صرف الآية عن ظاهرها ، وهي أن الآية توحي بأنّ دور الشيطان كان دور التشجيع وحشد القوة في داخلهم ، لأنهم كانوا يعيشون حالة من الخوف والضعف ، ولهذا حاول تقويتهم بقوله : وَإِنِّي جارٌ لَكُمْ ليستريحوا إلى جواره وليأمنوا به . ولكن واقع المعركة الذي نعرفه من القرآن ، ومن التاريخ ، ومن طبيعة موازين القوى بين المسلمين والمشركين ، يدلّنا على أن المشركين كانوا لا يشكون ضعفا في العدد والعدة ، فما حاجتهم للتشجيع وللتقوية ؟ ! ثم لو كان الذي تفرضه الرواية صحيحا ، فما دور سراقة ، وما أهميته ليجير قريشا ، فتطمئن له وتعيش الأمن من خلاله ، لأن الشيطان - في مضمون الرواية - لم يكشف لهم عن شخصيته ؟ ! ونحن لا نجد جوابا على هذه التساؤلات . ثم ما معنى أن نفرض على القرآن تفاصيل معينة على أساس روايات غير صحيحة ، لعدم ثبوت وثاقتها ؟ ! ولماذا هذا التساهل في تفسير القرآن ، الذي يمثّل الحقيقة الفاصلة القاطعة ، من خلال ظنون لا تثبت أمام النقد العلمي ؟ ! ولهذا فإننا نتفق مع الذين يستقربون ورود الآية مورد توضيح التصور الشيطانيّ ، الذي يوحي للإنسان بالهلاك في صورة النصر ، ثم يغيّر الصورة في عملية هروب وتراجع ؛ واللَّه العالم . * * *