السيد محمد حسين فضل الله
38
من وحي القرآن
إبليس يثأر لنفسه من الإنسان قالَ فَبِما أَغْوَيْتَنِي والغواية تختزن معنى الضلال في مقابل الرشد . ولعل المراد : فبسبب إلقائك لي في الضلال ، بإخراجك إياي من رحمتك ، وطردي من جنتك ، مما جعلني أجد نفسي في الاتجاه الواحد الذي يبتعد عن الهدى ، فسأثأر لنفسي بإدخال كل هؤلاء الذين ينتسبون إلى هذا الذي يبتعد عن الهدى ، فسأثأر لنفسي بإدخال كل هؤلاء الذين ينتسبون إلى هذا الذي طردتني من أجل موقفي منه بكل ما ملّكتني من وسائل الإضلال والغواية . . . لَأَقْعُدَنَّ لَهُمْ صِراطَكَ الْمُسْتَقِيمَ أي لألتزمنّ صراطك المستقيم في ما يمثله من وحيك وشرائعك ، فأجلس فيه وأرصد كل السائرين عليه لأحوّلهم عن السير فيه ، فأنحرف بهم ذات اليمين وذات الشمال ، وأثير فيهم كل نوازع الشر والجريمة من خلال نقاط الضعف الكامنة في داخلهم ، ثُمَّ لَآتِيَنَّهُمْ مِنْ بَيْنِ أَيْدِيهِمْ وَمِنْ خَلْفِهِمْ وَعَنْ أَيْمانِهِمْ وَعَنْ شَمائِلِهِمْ فليست هناك جهة لا أملك حرية الدخول منها إلى أفكارهم ومشاعرهم وخطواتهم العملية ، وعلاقاتهم البشرية ، وكل أوضاعهم العامة والخاصة ، لأنهم مكشوفون لي بكل آفاقهم الداخلية والخارجية ؛ فلهم غرائز يمكن إثارتها ، ولهم مطامع يمكن اللعب عليها ، ولهم أهواء يمكن التحرك من خلالها . وَلا تَجِدُ أَكْثَرَهُمْ شاكِرِينَ لأن أكثريتهم لا يصبرون على الحرمان والمعاناة والبعد عن الشهوات ، ولا يواجهون المواقف بروح المسؤولية الجادة التي تحسب حساب النتائج الإيجابية أو السلبية ، لما يقومون به من أعمال ، وما يقفونه من مواقف ، بل يسيرون على أساس مشاعر اللحظة الحاضرة التي يعيش معها الإنسان توتّر الغريزة ، وسعار الشهوة ، ونزق الانفعالات . . . وذلك من خلال نقاط الضعف ، وبذلك يفقدون الرؤية الواضحة التي يستجيبون من خلالها لنداء اللَّه في ما يأمر به أو ينهى عنه ، في ما يمثل حالة الشكر العملي للنعمة الإلهية الواسعة التي أغدقها اللَّه على الإنسان في أصل وجوده ، وفي تفاصيله المتحركة بالخير في أكثر من اتجاه . * * *