السيد محمد حسين فضل الله
370
من وحي القرآن
ويبتعد عن مواجهة الفكر الإشراكي في خططه ووسائله وأهدافه ، ولكنه صمد أمام عوامل الترغيب والترهيب ، والإيذاء والتنكيل ، والشتم والاضطهاد ، فاجتمعوا في مؤتمر تآمري ضمّ كبار القوم ، فقال قائلهم : نثبته في بيت ونوثقه ، وقال آخر : بل نقتله ، وقال ثالث : بل نخرجه من بلادنا . . . واختلف الرأي فيما بينهم . ثم اتفقوا على أن يقتلوه بمشاركة كل بطون قريش ، حتى يضيع دمه فيما بينهم . ولكن اللَّه أطلع نبيه على ذلك ، وأمره بالهجرة إلى المدينة ، حيث كان قد أعدّ للأمر عدّته في ما اتفق عليه مع الأوس والخزرج على أن ينطلقوا معه في خط الدعوة إلى اللَّه والجهاد في سبيله ، فيمنعونه مما يمنعون به أنفسهم وأهليهم وأموالهم . . . وهكذا أبطل اللَّه مكرهم وتدبيرهم الخبيث بأقوى منه ، حيث خطط لنبيه طريق الهجرة بكل دقّة ونجاح ، وانطلق الإسلام من خلال ذلك انطلاقته الكبرى في خط الدعوة والجهاد من خلال الرحمة والقوة . وَإِذْ يَمْكُرُ بِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا على ضوء ما تقدم من معنى « المكر » في « معاني المفردات » ، فإن الكلمة لا تدل على معنى سيّئ ليقول قائل إن نسبة المكر إلى اللَّه جارية على سبيل المحاكاة ورد الفعل لا على سبيل الحقيقة . لِيُثْبِتُوكَ الإثبات الحبس . . . أَوْ يَقْتُلُوكَ أَوْ يُخْرِجُوكَ من مكة ، وَيَمْكُرُونَ في ما يدبرونه من خطط للقضاء على النبي وعلى دعوته وَيَمْكُرُ اللَّهُ بما يدبّره من إبطال كيدهم ومكرهم ، وبما يسهله لرسوله من الوصول إلى أهدافه ، وَاللَّهُ خَيْرُ الْماكِرِينَ وخير المدبّرين ، فإذا أراد شيئا هيّأ أسبابه . .