السيد محمد حسين فضل الله

327

من وحي القرآن

الفكر والعمل ، فإن ذلك هو السبيل لرأب الصدع ، وردم الهوّة ، وإصلاح الفساد ، وتركيز العلاقات على قاعدة ثابتة ، لأن اكتشاف مواطن اللقاء هو الذي يقود إلى حلّ مواطن الخلاف . وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ ، فذلك هو الخطّ المستقيم الذي يحفظ للإنسان المؤمن خطواته من الزلل ، ويصونه من الانحراف ، ويؤمن لحركته التوازن في مواجهة تعقيدات الحياة وتشابك الخطوط التي تحفل بها . فتكون طاعة اللَّه في ما يشرعه ، وطاعة الرسول في ما يفصّله ويطبّقه ، هي النهج السليم الذي يمثّل الخطّ الفاصل بين الهدى والضلال . إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ لأن الإيمان ليس فكرا مجرّدا يحدد للإنسان خط النظرية فحسب ، بل هو ممارسة عملية فاعلة ، في انطلاقته من أجل تغيير ذاته ، وتغيير الحياة على أساس تلك النظرية . * * * من هم المؤمنون ؟ وفي ضوء ذلك ، كانت الجوانب الروحية والعملية هي التي تقدّم صورة المؤمن - النموذج - في ما جاءت به الآيات التالية : إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ ، وعاشت الشعور بالخشية منه ، في ما يتمثلونه من عظمة اللَّه في مظاهر قدرته في خلقه ، وفي وحدانيته ووجوده ، بالمستوى الذي يشعرون معه بأنّ الكون كلّه ظلّ لوجوده ، فهو الحقيقة وكل ما عداه خيال . . . ولكنّ هذا الوجل لا يمثّل حالة انسحاق يلغي في الإنسان الإرادة ، بل يمثّل حالة المسؤولية التي تحرك إرادته في الجانب المشرق من الحياة ، عندما توحي له بأن حركته ليست محكومة لمزاجه أو مزاج الآخرين ، بل هي خاضعة للقوّة المهيمنة التي تخطّط لإرادته كما تخطط لفكره ، وبذلك كان الخوف من اللَّه حافظا لإنسانيته من الانحراف تحت تأثير الضغوط ، ورادعا له من الخضوع للشهوات والنزوات المنحرفة ، وموجّها له للسير في الخط المستقيم . . .