السيد محمد حسين فضل الله

32

من وحي القرآن

إمكانات القوة ومواطن النعمة ، فيربطها باللَّه ، المصدر الأساس للقوة والنعمة ، ليدفعه ذلك إلى الشعور بالمسؤولية أمامه ، في ما يستخدم فيه القوة ، أو يستعمل فيه النعمة . . . وذلك هو مفهوم الشكر العملي ، الذي يريد اللَّه من الإنسان أن يجعله الطابع العام لحركة حياته ، والسمة البارزة لشخصيته ؛ وذلك بأن يحوّل كل ما أعطاه اللَّه إلى السبيل الذي يتحرك فيه أمر اللَّه ونهيه ، لأنه لا يملك ذلك كله ، فلا حريّة له أن يتصرف فيه تبعا لمزاجه وهواه ، بل يعتبر ذلك منه تمرّدا على اللَّه ، ومضادّا لحالة الشكر له . . . ولن يتحقق ذلك إلا بالوعي الدائم لارتباط الوجود الإنساني في عناصره وخصائصه باللَّه ، والابتعاد عن الانغلاق الفكري والروحي داخل الذات ، الذي يوحي إليه بالإمكانات الذاتية التي يستمدها من وجوده بعيدا عن اللَّه . * * * شكر الله يجب أن يلازم الإنسان وَلَقَدْ مَكَّنَّاكُمْ فِي الْأَرْضِ في ما أودعه من عناصر القوة في الإنسان ، وما سخره له من مخلوقاته ، وَجَعَلْنا لَكُمْ فِيها مَعايِشَ في ما تأكلون وتشربون وتلبسون وتستمتعون . . . لتشكروا اللَّه على ذلك ، وتنطلقوا به في طريق طاعته . قَلِيلًا ما تَشْكُرُونَ ، وتلك هي النتيجة الطبيعية للغفلة عن معنى الحياة المسؤولة في صلتها باللَّه ، لأن قضية الشكر هي قضية وعي وانفتاح وإيمان ، لتعرف أن اللَّه لم يخلقك عبثا ، ولم يخلق الحياة بدون هدف ، ولم يترك الإنسان بدون نظام . . . فمع كل مخلوق فكرة ، ومع كل حياة هدف ، وأمام كل إنسان مسؤولية ، فللقوّة مسئوليتها في تحمل عبء الحياة ، وللنعمة مسئوليتها في تنمية طاقات الحياة - حياتك وحياة الآخرين - فلا مجال للسلبيّة أو الأنانية . . . وهذا ما يدفعنا إلى أن نفكر دائما باللَّه في كل إحساس بالقوة ، وفي كل مظهر للنعمة ، لنشكر اللَّه على ذلك ، ولنجعل من الشكر سبيلا من