السيد محمد حسين فضل الله

311

من وحي القرآن

دراسة الواقع الفكري والنفسي لمجال الدعوة خُذِ الْعَفْوَ كخطّ عمليّ للتعامل مع الناس في أجواء الدعوة ، في ما يواجهه من حالات التشنّج والتمرد ، لأن المسألة لدى الرسول أو الداعية ليست مسألة مزاج يبحث عن منفذ للتنفيس ، ولكنها مسألة دعوة تفتش عن مدخل إلى فكر الآخرين للحصول على قناعاتهم ، مما يخلق بعض التعقيد في مواقفهم ، وبعض السلبيات الذاتية في ردود فعلهم ، فلا بد من اتباع الأسلوب الذي يتحرّك بالتوازن في عرض الفكرة ، وبالتسامح في مواجهة ردود الفعل ، وبالتّسهيل والتيسير في إعطاء المسؤوليات . . . ولا يكلّفهم من أمرهم عسرا . وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ وهو المعروف في القول والعمل الذي يعرفه الناس بفطرتهم ولا يستنكرونه بطبيعتهم ، من خلال إدراكهم لارتباطه بمصالحهم ومنافعهم وتنمية أفكارهم وأرواحهم وأجسادهم . وهذا هو الخط الواضح الذي يشمل كل مفردات الشريعة الإسلامية في أخلاقياتها وأحكامها ، في ما تدعو إليه من الارتفاع بإنسانية الإنسان إلى المدى البعيد في الآفاق الواسعة . وَأَعْرِضْ عَنِ الْجاهِلِينَ الذين لا يتحركون في الحياة من مواقع الوعي للمسؤولية ، ولهذا فإنهم لا ينطلقون للأخذ بأسباب المعرفة ، ليعرفوا من خلال قضايا الخطأ والصواب جوّ المصلحة والمفسدة في ما يفعلون ويتركون ، مما يؤدي بهم إلى أن يواجهوا الرسالات بأساليب السباب والسخرية والتشويه والتهويل ، بعيدا عن أيّ منطق للحوار أو قاعدة للتفكير . . . فلا بدّ للداعية من دراسة كل هذا الواقع الفكري والنفسي لهؤلاء في عملية التخطيط لمواجهته بالحكمة الواعية ، التي تفرض الإعراض عنهم في أكثر الحالات ، لأن الخضوع لأساليب ردود الفعل يؤدي إلى أن يتحول الموقف إلى ساحة للسباب وللكلمات القاسية ، ويثير العصبية في نفوسهم