السيد محمد حسين فضل الله

289

من وحي القرآن

الفكر والعمل ، بل تبحث عن الشرّ الذي يهدم ذاته ويوجهها في اتجاه الهلاك ، فالإنسان الإنسان ، هو الذي يعرف الحق فيتبعه ، ويعرف الباطل فيجتنبه . . . وَأَنْفُسَهُمْ كانُوا يَظْلِمُونَ لأنهم يسيئوا إلى أنفسهم عندما يمنعون عنها الانفتاح على الغايات الخيّرة السعيدة المنطلقة من اللَّه . مَنْ يَهْدِ اللَّهُ فَهُوَ الْمُهْتَدِي في ما يتحرك به من السير على هدى اللَّه في وحيه ، وَمَنْ يُضْلِلْ في ما ينحرف به باختياره عن النهج السويّ للهداية ، فَأُولئِكَ هُمُ الْخاسِرُونَ الذين خسروا الدنيا والآخرة ، بما أوقعوا فيه أنفسهم من الخسران الروحي والعملي . وَلَقَدْ ذَرَأْنا ، أي خلقنا لِجَهَنَّمَ كَثِيراً مِنَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ الذين عطّلوا الطاقات الفكرية والحسية التي وهبهم اللَّه إياها من أجل أن يستفيدوا منها في خطّ المعرفة ، فقد خلق اللَّه لهم العقول ليفكروا بها فيهتدوا بذلك في معرفة الخط السليم للحياة ، وخلق لهم الأعين ليبصروا بها خلق اللَّه ، والآذان ليسمعوا بها آيات اللَّه ، والكلمات التي تفتح قلوبهم على الحق ، ولكنهم جمّدوا ذلك كله ، فعطّلوا عقولهم عن التفكير ، وأعينهم عن التحديق بالأشياء بوعي ، وأسماعهم عن الاستماع إلى المواعظ بتركيز . لَهُمْ قُلُوبٌ لا يَفْقَهُونَ بِها لأنهم لم يحرّكوها في اتجاه الفهم الواعي للأمور ، وَلَهُمْ أَعْيُنٌ لا يُبْصِرُونَ بِها في التعرف على مظاهر عظمة اللَّه ، وَلَهُمْ آذانٌ لا يَسْمَعُونَ بِها لأنهم لم يركّزوا وعيهم في الاستماع إلى الآيات بوعي . أُولئِكَ كَالْأَنْعامِ وكالبهائم السائمة التي لا تعقل ولا تعي ، فهي عندما تتحرك لا تتجاوز نداء غرائزها لأنها لا تملك مجالا لغير ذلك . . . ولكن الإنسان الذي يملك القدرة على تحصيل مفردات المعرفة ، كما يملك القوة العقلية التي يستطيع بواسطتها أن يحوّل مفردات المعرفة إلى منهج فكر وحياة يهديه للحق والإيمان ، ثم يعطل ذلك ، يكون بالنتيجة مساويا للأنعام ، لأن