السيد محمد حسين فضل الله
284
من وحي القرآن
هل ثمة عالم آخر اسمه عالم الذر ؟ هذا بعض ما نستوحيه من هذه الآيات ، ولكن بعض المفسرين فهموا منها معنى آخر ؛ فقد قالوا إن هناك عالما آخر تشير إليه ، وهو « عالم الذر » الذي تحدثت عنه بعض الروايات ، واعتبرت الآية الأولى دليلا عليه . فقد جاء في هذه الروايات أن اللَّه عندما خلق آدم ، أخرج من ظهره ذريته كمثل الذر حتى ملأوا الفضاء من حوله ، فأخذ اللَّه عليهم العهد بالإيمان به ، والسير على هديه ، وأشهدهم على أنفسهم بأنه اللَّه الذي لا إله إلا هو ، فشهدوا بذلك وأعطوه العهد على أنفسهم به ، ليكون ذلك حجة من اللَّه عليهم عندما ينحرفون عن خط الإيمان والطاعة ، فلا يستطيعون بعد ذلك الاحتجاج بالغفلة عن الحق ، وبسيطرة عقيدة الآباء عليهم . وهكذا اعتبرت الآية دليلا على هذا الموضوع ، ولكنّ كثيرا من العلماء أنكروا ذلك ، لقصور الأدلّة التي أقامها المثبتون عليه ، ولأن الحجة لا تقوم على الإنسان بما كان قد اعترف به في عالم الذر ، لغفلته عن أصل الموضوع وعدم تذكّره له من قريب أو بعيد ، مهما حاولت الآيات والأحاديث تذكيرهم به ، فلا يبقى هناك فرق بين الغفلة الأصلية التي لم يسبق للإنسان فيها المعرفة ، أو الغفلة الطارئة التي جاءت بعد المعرفة في عالم آخر لا ربط له بهذا العالم أصلا . ثم إن الآية لا تنهض دليلا على ذلك ، فإن المذكور فيها أنه أخرج من ظهور بني آدم وذرياتهم ، بينما تقول الروايات أنه أخرج من ظهر آدم ذريته . وقد جرت مناقشات كثيرة في هذا الموضوع ، من حيث الدفاع عن فكرة « عالم الذرّ » وعن انطباق الآية عليه . . . وقد ذكرها صاحب تفسير الميزان « 1 » ، فليرجع إليه من أراد ، فإننا لا نجد كبير فائدة في الإفاضة في هذا الموضوع .
--> ( 1 ) يراجع : تفسير الميزان ، ج : 8 ، من ص : 311 .