السيد محمد حسين فضل الله

244

من وحي القرآن

واقع المستكبرين في الأرض ومصيرهم وهذه صورة أخرى لبعض النماذج الإنسانية ، من الجاحدين لآيات اللَّه ، السائرين في طريق الضلال ، وهي صورة حيّة متحركة في أكثر من اتجاه ، وفي أكثر من مجتمع ، وقد أراد اللَّه تقديمها إلينا لنستوحي منها كيف تكون الغفلة عن اللَّه وعن آياته سببا في ضلال الإنسان وهلاكه ووصوله إلى الدرك الأسفل من الانحطاط والسقوط ، وفي بعده عن رحمة اللَّه وهدايته . سَأَصْرِفُ عَنْ آياتِيَ الَّذِينَ يَتَكَبَّرُونَ فِي الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ ، فأتركهم ليسيروا على هواهم ، في ما يريدون وما لا يريدون ، فلا أمنحهم لطفا من ألطافي التي أمدّ بها المؤمنين ، عندما تنحرف بهم الطريق عن غير قصد واختيار ، فأهداهم بذلك إلى الصراط المستقيم ، لأنهم عاشوا الحياة من أجل السير في طريق الهداية . أمّا هؤلاء فإنهم لم يريدوا الاهتداء بما أنزلت إليهم من هدى الوحي والرسالة ، ولم يحركوا طاقاتهم الذاتية في هذا الاتجاه ؛ فحذّرتهم فلم يحذروا ، وخوّفتهم فلم يخافوا ، وأنذرتهم فلم يذعنوا ، فسأتركهم لما اختاروه ، وسأصرفهم عن آياتي من خلال ذلك . الَّذِينَ يَتَكَبَّرُونَ فِي الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ ، فهم يتحرّكون من موقع العقدة الذاتية المرضيّة التي تشعرهم بالاستعلاء والكبرياء ، فتوحي لهم بأنهم أعظم من أن يذعنوا للفكر الذي يأتيهم من خارج ذواتهم ، وأكبر من أن يخضعوا لإنسان ما - حتى لو كان نبيّا - وتتعاظم عندهم العقدة ، لتمنعهم من الاستسلام لأمر اللَّه والإيمان بآياته ، دون أن يكون لهم أيّ حقّ أو أيّة حجة في ذلك كلّه ، لأنه لا مجال للكبرياء إلا للَّه ، وكل من هو غيره مخلوق حقير لا يملك امتيازا على غيره إلا بالعلم والتقوى ، وهما الصفتان اللتان توحيان بالتواضع وتمنعان عن التكبّر . وَإِنْ يَرَوْا كُلَّ آيَةٍ لا يُؤْمِنُوا بِها ، لأن العقدة تمنعهم عن الانطلاق